فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 292

الثانية: من المهم أن ندرك أننا في زمان فريد، بات ارتقاء الإنسان فيه منوطًا إلى حد بعيد بنوعية المهنة التي يعمل والتخصص الذي تعمق فيه، فنظرًا للتنظيم والتصنيف المتنامي للأعمال والمهن، ونظرًا لتحسّن وعي الناس بواجباتهم الوظيفية، صار الناس يبذلون جهودًا كبرى للوفاء بمتطلبات الوظيفة والمهنة، وما تفرضه من تعليم وتدريب وتنظيم للحياة الشخصية. ونستفيد من هذا أن تحسين البيئة ورفع مستوى الناس يتطلب تأسيس توجهٍ إلى الأعمال المتصلة بالمعرفة الرفيعة والجهد الذهني المركّز. ولك أن تقارن بين العاملين في القطاعات المهنية التي لا تتطلب أي جهد ذهني أو معرفة راقية مثل قطاع بيع التجزئة وقطاع الزراعة وقطاع الإنشاء... وبين العاملين في قطاع التعليم الجامعي والبحث العلمي وتقنية المعلومات والتدريب... وستجد صدق ما أريد توضيحه.

إن المجال الواعد اليوم هو مجال (تقنية المعلومات) وكل ما يتصل بمجال الحاسب الآلي وتطبيقاته المتسعة، وهذا المجال بات اليوم القطاع الصناعي الأول حيث تزيد قيمة الأعمال فيه على (التريليون) دولار. ونحن أمة غنية بالموارد البشرية. وهذا المجال يحتاج أساسًا إلى العنصر البشري المتعلم وإلى البيئة المنظمة تنظيمًا جيدًا. ولا يحتاج هذا وذاك إلى أموال طائلة.

إن العالم كله اليوم يخوض سباقًا محمومًا نحو ترسيخ أقدامه في هذا المجال، وقد وضعت بريطانيا خطة لتطوير البلد تقنيًا، قيمتها خمسون مليار جنيهًا. وعلى ضخامتها فقد ذكر أحد الباحثين أنها غير كافية وجاءت متأخرة !.

ووصفت إحدى المنظمات الدولية الدول العربية بأنها جائعة معلوماتيًا على حين أنها وصفت (إسرائيل) بأنها دولة نَهِمَة معلوماتيًا. وقد أضحت (إسرائيل) اليوم الدولة الأولى في أمن المعلومات، وهي تصدر منتجات معلوماتية إلى أوروبا وأمريكا والصين في غاية التطور والتعقيد، وتقبض أثمانًا عالية لها.

إن من المهم جدًا ألا نتأخر أكثر مما حدث عن الاستثمار في قطاع المعلومات والتقنية المتقدمة من أجل الارتقاء بالمسلم المعاصر ومن أجل إيجاد فرص عمل للأجيال الجديدة في مجال هو الأسرع نموًا بين مجالات العمل المختلفة. وإذا لم نفعل ذلك فإن الأعداد المتزايدة من هؤلاء الذين تدفع بهم الأرحام سوف تتحول إلى قنابل موقوتة تدمر نفسها وبيئتها في آن واحد.

ومسؤولية التقدم في هذا الشأن ملقاة على عاتق الأسرة والمدرسة والدولة ورجال الأعمال. وعلى كل راشد فينا أن يحاول مساعدة نفسه والارتقاء بذاته حيث أعرض الآخرون عن مساعدته

على المدى البعيد (4/4)

د. عبد الكريم بكار 23/11/1424

فقد كان مالك بن نبي - رحمه الله- لاحظ أن المجتمعات الإسلامية تعاني من (فرط تسييس) ، حيث إن هناك ميلًا عارمًا إلى مطالبة الدول بأن تقوم بكل شيء على حين يظل معظم الناس غافلين عاطلين. وملاحظته - في ظني- في مكانها حيث إن كثيرًا من الإصلاحيين على اختلاف مشاربهم يركزون باستمرار على ما على الحكومات أن تقوم به من إصلاح نفسها، وإصلاح غيرها، على حين أن كثيرًا منهم لم يستطيعوا المساهمة العملية في نهضة الأمة؛ وكأن اعتقادنا بأن كلام المرء جزء من عمله، جعلنا نظن أننا بالخطب الرنانة والمقالات البليغة والكتب ذوات المئين من الصفحات نستطيع أن نحل مشكلاتنا المستطيلة في الزمان والمستعرضة في المكان!.

في البداية أحب أن أؤكد أن من المهم أن يشتغل بعض الناس في العمل السياسي من خلال نشر الوعي بطبيعة هذا المجال ومن خلال ممارسة النقد ودخول الانتخابات وتشكيل الأحزاب؛ إنني لست ضد هذا، ولا أهوّن أبدًا من شأنه، ولكن الشيء الذي لا أرى أنه صواب هو الظن بأنه حين تقوم دولة حسب المواصفات المطلوبة سوف نتخلص من كثير الأزمات والمشكلات الموجودة.

إن هذا أحد أكثر الأوهام انتشارًا. وكثير من الجماعات الإسلامية المشتغلة بالسياسة علقت كل توازنها على الحكومة العظيمة التي ستشكلها في المستقبل حين تصل إلى الحكم. وبما أن المجال السياسي، لا يتسع لكل الناس، ولا يستطيع كثيرون العمل فيه، فإن أعدادًا كبيرة من شبابها عاطلون عن أي عمل دعوي أو اجتماعي نافع!.

وجود الدولة في الأصل شيء مكروه من النفوس؛ لأنها تمثل سلطة وقوة، وهي - على المستوى الوظيفي - أميل إلى أن تكون كابحة وضابطة أكثر من أن تكون بانية أو مُصْلحة. وإذا استطاعت الدولة حماية النظم السارية وتطبيقها دون تحيز إلى جانب دعم استقلالية القضاء وتسهيل حركة الفرد مع حد مقبول من المرافق العامة؛ فإنها تكون قد قامت بأشياء عظيمة جدًا. ومعظم دول العالم ما زالت تخفق في تحقيق ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت