فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 292

ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الشعوب الإسلامية شعوب فتيّة، حيث إن حوالي نصف السكان هم من الأطفال والأشبال دون سن الخامسة عشرة. وهذا يعني أن لدينا أعدادًا هائلة تحتاج إلى تربية وتعليم واستيعاب نفسي واجتماعي، ثم إلى فرص عمل وخدمات عامة كثيرة.

ليست الزيادة السكانية في حد ذاتها مشكلة .. على العكس إنها ميزة؛ حيث لا يمكن اليوم لدولة أن تصبح دولة عظمى إذا لم يصل سكانها إلى الخمسين مليونًا على الأقل . لكن علينا أن ندرك من وجه آخر أن الازدحام على موارد محدودة وعدم القدرة على تأمين الحد الأدنى من الحاجات الضرورية، وتأمين تعليم وتدريب جيدين؛ سيجعل من هذه الأعداد الغفيرة من الفتيان والشباب أشبه بجيش جرار لم يتلقَّ من التدريب ولم يجد من التنظيم ولا من التسليح ما يكفيه؛ إنه في هذه الحالة يصبح هدفًا سهلًا للعدو، إنه يصبح أرقامًا غير ذات معنى، وبعض العنصريين من الغربيين يقولون باستخفاف: إن في العالم خمسة مليارات من البشر، منهم مليار - أي أبناء العالم الصناعي- مواطنون والباقون سكان.

في حديث القصعة وصف واضح للكثرة العددية الفاقدة للكيف والمضمون. فقد قال صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: لا. أنتم يومئذٍ كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل...".

إذًا مشكلة المسلمين في آخر الزمان ليست مشكلة (كم) ولكن مشكلة (كيف) و (نوعية) .

عدم وجود تنمية جيدة في معظم أنحاء العالم الإسلامي دفع بأبنائنا وإخواننا إلى الهجرة إلى الغرب، حيث يشتغل معظمهم في مهن وضيعة يترفع الأوروبي عن العمل فيها. وهناك يضيع نصف الجيل الثاني ومعظم الجيل الثالث، حيث الانسلاخ شبه الكامل عن العقيدة والهوية. وعيش أبنائهم في الغرب على هامش المجتمع، دفع بهم إلى الجريمة والرذيلة وإدمان المخدرات، فصاروا يشكلون نسبة مخيفة من نزلاء السجون هناك!

وتوجُّه فرنسا إلى منع الحجاب يشكّل نوعًا من التعبير القانوني عن الضيق من جاليات باتت تشكل عبئًا على المجتمع، وهي بادرة خطيرة، وربما تحدو دول غربية أخرى حذوها، ويصبح الملتزمون من المسلمين في الغرب في وضعية أشبه بوضعية من وجد نفسه بين المطرقة والسندان.

ومن واجبنا جميعًا أن نحول دون ذلك بكل وسيلة ممكنة.

لا أريد أن أتحدث أكثر من هذا عن الحاجة إلى تنمية اقتصادية تعتمد على أسس ومنطلقات جديدة، وإنما أحب أن أركّز على نقطتين هنا:

الأولى:حتى يتحسن وضع فرص العمل، وحتى تفتح حقول جديدة لكسب الرزق، فإنه لا بد من الارتقاء بالتعليم وتشجيع الناس على أن يتخذوا من التدريب المنهجي مدخلًا لاكتساب المهارات وتنمية الشخصية.

إن التعليم في معظم أنحاء العالم الإسلامي يعد بالمعايير العالمية قاصرًا عن الوفاء بحاجات العصر؛ فالفصول مكدسّة بالطلاب، وأسلوب التدريس مبني على أن يقوم المدرس بكل شيء، ويظل الطالب في موقع المتفرج وليس المشارك والمتفاعل. والتجهيزات المدرسية معدومة أو عند حدها الأدنى. والأهم من هذا وذاك فقد المدرسين والطلاب للحماسة المطلوبة لنجاح العمل التعليمي . ولا يختلف التعليم الجامعي في هذا كثيرًا عن التعليم الأساسي، مع استثناءات قليلة.

ولا شك أن هناك الكثير من الاقتراحات والحلول المطروحة للنهوض بالتعليم، لكن ستظل الأمور تزداد سوءًا ما لم تحدث تحولات جذرية في أوضاع المدارس وفي العلاقة بين البيت والمدرسة. وقد آن الأوان ليساهم الآباء في تأمين تعليم جيد لأبنائهم من خلال تشكيل عدد كبير من مجالس التعليم في الأحياء والقرى، ويكون لها صلاحيات واسعة جدًا في بحث أوضاع المدارس وتوجيهها ومحاولة النهوض بها، ولا بد من الآن فصاعدًا من أن يخصص كل واحد منا جزءًا من ميزانيته الخاصة لمؤازرة المدارس في القيام برسالتها من خلال التوسع في مبانيها وتدعيم مختبراتها وتجهيزاتها المختلفة.

التعليم الجيد وحده هو الذي يوجد في نفس الطالب الولاء لمدرسته ومن خلالها لوطنه وأمته. والتعليم السيئ يجعل الطالب زاهدًا في كل ذلك، وإلى جانب تطوير التعليم لا بد من إرساء تقاليد ثقافية تمجد التدريب على اكتساب المهارات والطرق الجديدة في إدارة الأعمال وتنفيذ المهام، فالتطور السريع الحاصل الآن في كل مجالات الحياة سيجعل كل ما لدى الواحد منا من مفاهيم وخبرات ومهارات محدود مدة الصلاحية، حيث تتسارع إليه الشيخوخة، وهو ما يزال في طور الصبا. وقد أدركت الأمم المتقدمة، وصارت تنفق بسخاء بالغ على التدريب انطلاقًا من هذه الحقيقة. إن مجمل ما تنفقه اليابان على التدريب يزيد على 80 مليار دولار في السنة . أما الولايات المتحدة فإنها تنفق ما يتراوح بين 120 مليار دولار و 180 مليار. ولا بد من الآن فصاعدًا من أن نسلك كل سبيل لإقناع الناس بأهمية التدريب لدخول سوق العمل ثم الاستمرار فيه. ولا بد أن يكون واضحًا في العقود الجديدة تحديد ما ستقدمه المؤسسة أو الشركة أو المصنع أو الجامعة من تدريب وتعليم لمن سيعمل فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت