فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 292

2-تحديد المسؤولين عن الأخطاء و التّقصيرات التي تقع هنا وهناك. في أحيان كثيرة نكون واضحين في بيان حجم المشكلة، لكنْ حين يصل الأمر إلى تحديد الأسباب والمتسبّبين نجد أنّنا غير قادرين على وضع النقاط على الحروف. وقد اكتشفنا مؤخرًا أسلوبًا خادعًا في هذا الشأن، وهو القيام بتوزيع المسؤوليّة على أكبر عدد ممكن من الناس، وكأنّنا نحاول أنْ نفرّق دم القتيل على القبائل كما كانت تحاول ذلك العرب قديمًا. ولهذا فإنّ كثيرًا من التقارير والتّوصيات وملفّات المراجعة والمحاسبة يجعلك تخرج بانطباع الخذلان والإحباط ؛ حيث ينتهي الأمر إلى ضرورة أنْ نقتنع بأنّ الكلّ مسؤول، وبأنّ الكلّ أيضًا غير مسؤول!. إذا كنّا غير قادرين على توضيح تقسيم المسؤوليّة عن أزماتنا على نحو جيّد فهذا يعني أنّنا لن نستطيع التخلّص من تلك الأزَمَات ولو بعد حين. ويعني أنّ إيجاد نظام للمحاسبة عادل ودقيق يشكل إحدى الأولويّات الحضاريّة لأمّة الإسلام.

3-تقديم البدائل وإغناء الساحة بالأفكار الإيجابيّة: إنّه لا يكفي أنْ نقول: إنّ في إدارة فلان للمؤسّسة الفلانيّة خللًا كبيرًا. كما لا يكفي أنْ نقول: إنّ هذه اللفظة في بيت الشّعر الفلاني قلقة ونسكت. لا بدّ من أنْ نحاول أنْ نقترح ما هو أجمل وأنفع وأفضل مما هو موجود، ويجب أنْ نمتلك القدرة على الشرّح، والتفسير، والتعليل، لما ننقده إذا أردنا للنّقد ألا يكون نوعًا من اللّغو، أو نوعًا من التكميل الشكليّ لحياة فقيرة في معانيها وإنجازاتها.

إنّ المراجعة عبارة عن مساهمات لإعادة التكيّف والتأقّلم، وإنّ الهيئات الكبرى والمؤسّسات الضخمة أحوج إلى التكيّف من أجل البقاء من غيرها. وإنّ التاريخ ليشهد على أنّ أنواعًا من الحيوانات، والأشجار، الضّخمة هلكت وانقرضت بسبب عدم قدرتها على التكيّف مع الأحوال المناخيّة الطارئة والجديدة.

نحن في ظروف جديدة كلّ الجِدّة، ولهذه الظّروف متطلبات لا عهد لنا بها، وإنّ من جملة تلك المتطلبات النّظر إلى حاجتنا إلى النّقد على أنّها لا تقل أهميّة عن حاجتنا إلى البناء، والنّظر إلى الأخذ والتمثّل على أنّه لا يقلّ أهميّة عن العطاء، والنظر إلى الانفتاح وخوض المعركة ببسالة وإقدام على أنّه لا يقلّ أهميّة عن اللجوء إلى الحصون والاختباء خلف الأسوار.

ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

إن ملامح القصور في العقل البشري أننا لا نستطيع في كثير من الأحيان وضع حدود فاصلة بين الثبات على المبدأ والتمسك بالأصول والثقة بالمنهج وبين التصلب الفكري المذموم، والذي يعني -فيما يعنيه- النقص في تطورنا الذهني بما يلائم المتطلبات والتحديات الجديدة. وهذه الوضعية العالمية الشاملة تجعل الناس دائمًا مُهدَّدين بالعجز عن مسايرة الواقع والملائمة بين المنهجيات التي يؤمنون بها وبين الأسئلة المطروحة عليهم؛ وإن شئت فقل: العجز عن الإجابة عن الأسئلة المطروحة من خلال المنهج الذي يعتقدون بصوابه. بعبارة أخرى: أعتقد أن علينا أن نتلمس دائمًا حجم المرونة الذهنية والمرونة في الطرح وفي الخطاب وفي برامج الإصلاح والمعالجة؛ فالضغوطات التي تمارس علينا من مختلف الجهات، وأوضاع التأزم والتخلف المختلفة تولّد لدينا الكثير من الخوف غير السائغ، وتدفعنا باتجاه الجمود والانغلاق، كما تدفعنا باتجاه استخدام الضغط وسيلة في ترشيد مسيرتنا عوضًا عن الثقة والإقناع دون أن نشعر بذلك، ودون أن نشعر بعدم ملاءمة هذا لروح العصر وللذائقة الثقافية الجديدة. ولهذا فإن الخطاب الإسلامي -والذي يقوم في مفاصله الأساسية على الفكر الإسلامي المعاصر- يميل إلى أن يكون سلبيًّا ضابطًا أكثر من أن يكون مبادرًا محفِّزًا ومنتجًا للأفكار والمفاهيم والمشروعات والبدائل؛ مع أن الحضارات لا تقوم في أول انطلاقها أبدًا على المنع والسلب والضبط.. إنها تقوم بناء على المبادرة والانطلاق والعطاء والمساهمة.. إنها أشبه بينابيع صغيرة، تتجمع فتشكل نهرًا متدفقًا، ثم نجد أنفسنا بعد مدة في حاجة إلى تصفية ذلك النهر وتنقية مائه من الشوائب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت