إن الفكر الإسلامي سوف يكتسب من المناعة والحصانة والقابلية للاستمرار على مقدار ما يملك من التوازن في بنيته العميقة بين الثوابت والمتغيرات وبين المثالية والواقعية، وعلى مقدار ما يملك من المرونة في الفهم والاستيعاب وفي تقديم الحلول. إن العواصف الهوجاء تقتلع وتحطم الأشجار العملاقة على حين أن السنابل والحشائش تُبدي قدرة أكبر على الصمود والمقاومة والسبب في هذه المفارقة هو المرونة التي في الأخيرة والتصلب الذي في الأولى. واليوم توضع قواعد وكتل مطاطية في أسفل الأبراج والعمارات الشاهقة كي تقاوم الزلازل الأفقية؛ حيث يمنحها المطاط المرونة الكافية للتجاوب مع اهتزازات الزلازل على شكل امتصاص لها. إن المرونة لا يصح أبدًا أن تعني التنازل عن المبادئ ولا التساهل تجاه المحرمات، كما لا يصح أن تعني إقرار الباطل وممالأة الظلم، ولا أن تعني تغيير الاتجاه... إن هذه الأشياء لا تشكل أبدًا مرونة أو تكيفًا صحيحًا، إنها انحراف واضح تجب مقاومته والتصدي له. إن المرونة المنهجية تعني في نظري الآتي:
1-حسن الاستماع وحسن تفهم ما لدى الآخر. إن الأمة في أزمة متشعبة ولو لم يكن من معالم تلك الأزمة سوى ابتعاد عدد كبير من أبنائها عن جادة الالتزام بتعاليم الشريعة الغرّاء وسوى تدني مكانتها العالمية بين الأمم لكان ذلك كافيًا . حين يكون المرء في أزمة؛ فإن عليه أن يفتح عشر عيون وعشر آذان لالتقاط أي فكرة أو أي حل أو أي أسلوب أو أي أداة في إمكانه أن يخفف من غلواء الأزمة التي يعاني منها. إن مشكلة: كمشكلة البطالة، أو رداءة مستوى خريجي الجامعات، أو مشكلة تسلط الحكومات، أو انتقال السلطة بسلاسة وعلى أسس مشروعة، أو مشكلة ضعف الالتزام، أو تفكك الأسرة المسلمة بالتدريج... أقول: إن مشكلة كهذه المشكلات لن نستطيع الحصول لها على حلول من خلال استعراض التاريخ وتجارب الأجداد والآباء لأن سنة الله - جلّ وعلا- مضت ألا تتسع رحلة حضارية سابقة لمرحلة لاحقة. فالحلول التي عثر عليها الناس لأي مشكلة من هذه المشكلات قبل خمسة قرون لن تصلح لحلها اليوم. كما أن ما نحصل عليه من حلول ناجعة وعبقرية لمشكلاتنا لن تحل عين المشكلة بعد قرنين من الزمان.
ولن نجد حلاًّ لأي مشكلة من المشكلات آنفة الذكر لدى الغرب أو لدى اليابان أو الصين...؛ لأن أي حل من الحلول يرتكز على نوعية معينة من المعطيات الثقافية والسياسية وهذه النوعية تختلف اختلافًا واسعًا عن عالمنا الإسلامي وبين الدول غير الإسلامية المعاصرة لنا. لكن سنجد في التاريخ وسنجد لدى الآخرين نواة لحلٍّ؛ تحتاج إلى إنضاج وإنماء أو نجد فكرة ذكية تحتاج إلى تطوير أو أقلمة وتوطين. وهذه وتلك تحتاجان إلى عقل مرن ومحترف في الاقتباس ودمج الأفكار والطرق والمنهجيات المتفاوتة والمتباينة. ولن ينفع الذكاء وحده في الشأن بل لا بد من البحث العلمي المتقن والمتخصص والمستفيض، وهذا ما لم يتم الاعتراف به حتى الآن!
2-تعني المرونة الذهنية والمنهجية -أيضًا- القدرة على إدراك الفرق بين ما هو موجود في حياتنا بسبب الالتزام بالأمر الشرعي وبدافع من الالتزام بأمر الله، وبين ما هو موجود نتيجة عادات وتقاليد أنتجتها ظروف واعتبارات تاريخية، أو أنتجها التوسع في مبدأ (سد الذرائع) بسبب فهم جزئي أو زمني أو مؤقت للمصالح والمخاطر التي تترتب على سلوك معين.
ويقدم لنا وضع المرأة المسلمة نموذجًا لهذا؛ حيث إن كثيرًا مما يحتاج إلى الإصلاح في حياة المرأة المسلمة ومهامها العامة نشأ نتيجة مواصفات اجتماعية معينة مالت بها نحو الغلو أو نحو التفريط والتساهل بعيدًا عن المنهج الرباني الأقوم. قد يكون من الأسس النافعة في تصور إصلاح أوضاع المرأة المسلمة النظر إلى أن الأصل هو تطابق كل ما يُطلب من النساء، وكل ما يحل لهن، وكل ما يصح لهن عمله وممارسته مع ما هو ثابت للرجال؛ إلا ما جاءت النصوص الصريحة بإثبات خصوصية لهن فنصير إليه، ونأخذ به. وإذا اختلف أهل العلم الموثوقون والمتخصصون في مسألة هل هي خاصة بالرجال أو النساء - نظرنا إلى خلافهم على أنه باب من أبواب التوسيع على الأمة ورفع الحرج عنها. ومثل ذلك يقال في اختلاف أهل العلم في كون عمل من الأعمال - يجرّ مفسده أوْ لا. والذي يظن أن الأخذ بالأحوط وبالقول الأشد حذرًا وبالأميل إلى التشدد- يحل مشكلات الأمة أو يساعد الناس على مزيد من الالتزام - يكون واهمًا؛ حيث إن مثل هذا قد يدفع كثيرًا من الناس بعيدًا عن منطقة التدين كلها بما فيها من ألوان صفراء وحمراء، وواقعنا مملوء بالشواهد على هذا.