3-تعني المرونة كذلك القدرة على إعادة ترتيب الأولويات الدعوية والإصلاحية والإنمائية. حين نقول: إن إصلاح هذا الأمر يشكل أولوية فإن هذا يعني أننا ندرك خطورة استمراره، وعظم حاجة الناس إليه، وارتباط صلاح مسائل أخرى بصلاحه. وهذه مهمة شاقة جدًّا، وتحتاج إلى فهم عميق للسنن الربانية وللتداعيات المنطقية القائمة بين جوانب الحياة المختلفة. في معظم البلاد الإسلامية تتمثل الأولوية الإصلاحية في تعليم الناس أمور دينهم ، وفي حل أزماتهم الاقتصادية المتراكمة والمتعاظمة. وفي بعض البلدان الإسلامية يشكل الإصلاح السياسي أولوية. ويشكل إصلاح النظام التعليمي في بعض الدول أولوية مطلقة وهكذا... ولا يعني القول بأولوية شيء من الأشياء تعطيل الاهتمام بغيره من جوانب الحياة المختلفة؛ لكنه يعني أن نصرف عليه من الوقت والجهد أكثر مما نصرفه في غيره.
موضوع المرونة المنهجية موضوع طويل وقد أعود إليه في يوم من الأيام.
ومن الله الحول والطول.
الفكر المنيع فكر قادر على الاستمرار ومناعته نابعة من طبيعته ومقوماته الذاتية، ومقومات الفكر الإسلامي ليست شيئًا يصنعه الناس جريًا وراء أهوائهم أو اجتهاداتهم الشخصية، فالفكر لا يكون إسلاميًا إلا إذا كان تكونه في إطار تعاليم الإسلام ومقاصده العامة، ولا يكون نموه صحيحًا إلا إذا كان عن طريق حبل سري متصل بالمصالح المنضبطة للأمة وبالطبيعة البشرية، وما نعرفه من سنن الله -تعالى- في الخلق. وشيء من هذا الكلام ينطبق على الفكر الإنساني أيضًا؛ حيث إن صناع الأفكار يستطيعون أن يقولوا - على مستوى التفاصيل الدقيقة- الكثير مما يريدون، لكن تظل حيوية ما يقال وقدرته على تشكيل الحضارة مرهونة لاتصالها بالسنن الربانية وبتشوقات البشر وتطلعاتهم.
وتأسيسًا على كل هذا يمكن القول: إن الغلو بكل سماته وأشكاله ومظاهره ومنطلقاته يشكل إحدى الآفات والعلل المزمنة والخطيرة التي طالما أصابت الفكر الإنساني والإسلامي في مقتل، والحقيقة أن البعد عن القصد والميل إلى المنازع والاتجاهات الغالية المتطرفة يشكِّل جزءًا من التراث الحضاري لكل الأمم؛ وإني لأكاد أزعم أن ذلك متصل بالتكوين العقلي والنفسي لبني الإنسان. وإذا صح هذا فإنه يكون جزءًا من أدوات الابتلاء في هذه الحياة. إن الغلو مصطلح شرعي، لكن تطبيقاته واسعة جدًا إلى درجة أن بعضها يتصل بالذوق وبالخبرة البشرية وبالتراكمات الثقافية المتنوعة، ولهذا فإننا حين نتحدث عن الغلو أو الإفراط أو التطرف أو التشدد في أمر من الأمور المتصلة بالتدين والالتزام فإن علينا ألا نتجاوز الأحكام الشرعية. وفي هذا الإطار فإننا نجد اليوم في الساحة الثقافية العامة صنفين ممن يتحدث عن الغلو: صنف يهرف بما لا يعرف، حيث ينطلق من خبرة محدودة جدًا بالشريعة وبالفقه الإسلامي لكنه يملك جرأة تصل إلى حد الوقاحة في إطلاق الأوصاف والنعوت النارية على سلوكات ومواقف لا ينبغي أن يتحدث فيها إلا أهل الاختصاص وهم الفقهاء، وهذا شيء طبيعي فكما أنه لا يتحدث في الأمور الهندسية الدقيقة إلا مهندس، وكما لا يتحدث في المسائل الفيزيائية العويصة إلا فيزيائي فكذلك لا يتحدث في مسائل التدين والالتزام والتعبد والسلوك الإسلامي عامة إلا فقيه خبير. أما الصنف الثاني فإنه ينطوي على سوء نية وعلى انحراف في الوجهة، إنه يريد من خلال الحديث عن الغلو هدم الإسلام ذاته؛ فالذي يمتنع عن إيداع أمواله في البنوك الربوية متزمت غال، والمرأة التي تستر وجهها أو تمتنع عن مجالسة الرجال الأجانب متخلفة ومعقدة، والمسلم الذي يستدل بالآيات والأحاديث في التنظير للقضايا حرفّي محدود. والمسلم الذي لا يستمع للموسيقى غليظ المشاعر، ومفتقر إلى نوع من التهذيب لا يأتي إلا عن طريق الموسيقى...!!
وقد كثر هذان الصنفان في الساحة الثقافية والإعلامية، وكثير منهم يظنون أنهم يساعدون الأمة على النهوض والارتقاء، وهم في حقيقة الأمر يمارسون عملية تخريب واسعة النطاق ولا تظهر آثارها إلا بعد عقد من الزمان.
وعلى كل حال فإن من واجب المفكرين والمنظِّرين وأهل كل الاختصاصات العلمية أن يشيعوا في الجماهير المسلمة مفاهيم الوسطية والاعتدال والتسامح واليسر، وأن يقاوموا نزعات الغلو التي تجتاج كل الشرائح والفئات وكل الدوائر والتخصصات؛ فهناك غلوّ في السياسة وفي الاجتماع وفي التدين وفي الاقتصاد والتربية والتعليم والتعامل مع التاريخ والتخطيط للمستقبل.. وأهل كل تخصص هم الذين يقررون الاتجاهات والأقوال الغالية في تخصصهم، وهم الذين يحددون درجة ذلك الغلو، وعليهم تقع مسؤولية معالجته وتخليص الناس منه، وهذه نقطة مهمة حيث يظن بعض الناس أن الغلو عبارة عن مشكلة دينية محضة، وهذا غير صحيح. قد كانت الشيوعية مغالية حين أعطت دورًا استثنائيًا للدولة في إدارة شؤون الناس، وقد أدى ذلك تهميش المجتمع وتعطيل كثير من وظائفه، وكانت النتيجة هي انهيار الدولة والمجتمع معًا.