في ظل هذه الدولة سوف يحدث ما يشبه الزلزال في النفوس والمجتمعات والعلاقات والتوجهات السائدة: في ظل تلك الدولة العجيبة سوف ينشط الكسول ويتعلم الجاهل، ويبذل الشحيح، ويقلع بذيء اللسان عن التفوه بالألفاظ القبيحة، ويكفّ مدمنو المخدرات والمكيفات عن تناولها، وسوف يحاول المدرس غير الكفء صقل مهاراته وإثراء ثقافته... كما أن العلمانيين والليبراليين وأصحاب المصالح المضادة سوف يسلمون لتلك الدولة (المعجزة) بالنزاهة والكفاءة معًا، ولذا فإنهم سوف يسلمون لها القيادة. والدول المناوئة في الخارج سترى أنه لا فائدة ترتجى من وراء مقارعة تلك الدولة؛ ولذا فإنها سوف تتجاهلها أو تهادنها...
وهكذا ستحدث تغيرات كونية هائلة لم تحدث في أي مرحلة من مراحل التاريخ! وحتى يحدث كل ذلك؛ فإن مما لا شك فيه أن طينة تلك الدولة ينبغي أن تكون خاصة، ولا مثيل لها ما دامت ستحقق إنجازات عديمة المثيل!.
وأنا أجزم أن تلك الجمهرة من الحالمين ستنقسم تجاه أفضل دولة إسلامية يمكن أن تقوم في أي مكان من الأرض إلى أقسام عدة: قسم يعمل معها بكفاءة وإخلاص؛ وهذا القسم قليل في أي زمان وأي مكان. وقسم يتمتع بالكفاءة؛ لكن ينقصه الإخلاص والاستقامة. وقسم ثالث يخلص؛ لكنه لانعدام خبرته لا يعرف كيف يخدم الدولة والأمة. أما القسم الرابع؛ فهو قسم منتفع وصولي، ليس من هؤلاء ولا أولئك. والقسم الخامس قسم معارض يرى أن الدولة التي سعى إلى إقامتها قد خانت رسالتها، وانحرفت عن مبادئها؛ فهو منهمك في ردها إلى المسار الصحيح.
أما القسم الأخير؛ فهو القسم الثائر الذي صارت أمنيته التخلص من تلك الدولة بأي وسيلة من الوسائل، ولو كانت استخدام الصنف وإشعال الحرب الأهلية!!.
هذه الأقسام لم نأت بها من نسج الخيال؛ بل هي مما عرفناه من سنن الله -جل وعلا- في الخلق، ومما فهمناه من طبائع الأشياء، وما وجدناه ونجده عند قراءة أي ثورة من الثورات التي تمكنت من الوصول إلى الحكم في بلاد إسلامية أو غير إسلامية.
ولعلي في المقال القادم أشرح شيئًا مما يمكن القيام به"في كل الأحوال"، ومن الله تعالى الحول والطول.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد ذكرت في المقال السابق أن موروثاتنا النفسية والجسمية... عن الآباء والأجداد وجهودنا الشخصية بالإضافة إلى البيئة التي نعيش فيها تشكل المؤثرات الجوهرية في كل عطاءاتنا وإنجازاتنا، وذكرت أنه مهما ساءت الظروف، وتعقدت الأوضاع، فستظل هناك إمكانية لعمل شيء ما، ومقال اليوم سيكون حول ذلك الشيء.
من المهم أن نعتقد في البداية أن أي جهد يبذله الواحد منا على صعيد إصلاح أحواله الشخصية والارتقاء بذاته، يصب بصورة من الصور في مصلحة أمته، حيث لا يمكن أن نبني أمة صالحة من أشخاص فاسدين، ولا مجتمعًا قويًا من أفراد ضعفاء، وإذا أردت أن تعرف موقع العالم الإسلامي على خارطة القوى العالمية، وأن تعرف مدى تأثيره الحالي في تحديد وجهة العالم؛ فانظر إلى أوضاع كل دولة من دوله على انفراد، فالموج لا يكون أبدًا إلا من جنس مائه.
نحن اليوم في حاجة ماسة إلى أن نبلور ونرسخ ثقافة (الإنجاز المتجاوز) والتي تعني -فيما تعنيه- ألا يُؤخَّر شيء يمكن عمله الآن من أجل انتظار شيء سيحدث في المستقبل، وتعني كذلك تعزيز روح المبادرة الفردية لدى الإنسان المسلم وتعزيز روح الإيجابية، والتعامل مع المعطيات الجديدة بعقل وقلب مفتوحين؛ حيث إن معظم المسلمين ما زالوا يرزحون تحت وطأة موروثات عصور الانحطاط والتي يأتي في طليعتها الكسل والفوضى والتواكل والخوف من الجديد والتقليد والتبعية والتفكير الذري ومحدودية الطموحات والمجاراة الاجتماعية والمثالية الزائدة.
والآن اسمحوا لي أن أتحدث عن ثلاث قضايا أتصور أنها ذات أهمية قصوى بين القضايا الكثيرة التي يمكن القيام بها في جميع الأحوال:
1)المجاهدة من أجل تغيير سلم القيم.
هناك قيم عالمية مشتركة تهتم بها كل الثقافات وكل الحضارات، مثل: الصدق، والأمانة، والإحسان، والوفاء، وإغاثة الملهوف، والإتقان والتسامح، والعفو، والجدية، والدقة، والتملك، والرفاهية، والنظافة، والاقتصاد في بذل الجهد.. ويتعامل الناس مع هذه القيم في كل زمان ومكان على أنها مفردات في نسق عام، وهي في تواليها أشبه بدرجات السُلَّم، وتتم التضحية بالقيم الدنيا عند التعارض من أجل الاستمساك بالقيم العليا، فإذا كانت قيمة الصدق -مثلًا- لدى إنسان أعلى من قيمة المال؛ فإنه يلزم الصدق، ولو كان الكذب يجلب له المال الوفير، وحين تكون قيمة الخوف من الله -تعالى- لدى المسلم أعلى من قيمة الخوف من الناس؛ فإنه لا يبالي بغضب الناس إذا كانوا لا يرضون إلا بإغضاب الله، وحين يحلّ النعاس بأحدنا وتكون قيمة النوم عنده أعلى من قيمة تنظيف أسنانه؛ فإنه سينام دون أن ينظفها، وإذا كانت قيمة تنظيف الأسنان أعلى؛ فإنه سيقاوم النعاس إلى أن ينتهي من تنظيفها وهكذا...
المجاهدة في سبيل تغير سُلَّم القيم ينبغي أن تستهدف تحقيق أمرين أساسيين: