فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 292

ولذا كان من الضروري أن يسأل الواحد منا نفسه: كيف أستطيع أن أفكر في هذا الأمر بطريقة أخرى ؟ وكيف يستطيع غيري أن ينظر إليه ؟ وما وجهات النظر الأخرى حياله ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تشكل تمرينًا عقليًا يحسن أن نجرّبه من وقت إلى آخر .

إن الذي يحول بيننا وبين رؤية الخيارات العديدة المغايرة لما نعتقده ونفضله هو ما استقر في نفوسنا من الانحياز إلى مشاعرنا ومألوفاتنا وطرق تفكيرنا ، وهذا الانحياز مصدر كبير من مصادر الحرمان من التجديد ، والحرمان من مشاركة غيرنا في رؤية الأشياء على نحو أكثر رحابة .

2-النظرة المتعمقة:

إن العقل الذي وهبه الله جل وعلا لنا يتمتع بقدرات هائلة كما ذكرنا لكنه يظل في النهاية محدودًا . وأكثر الأفكار التي نمتلكها هو وليد التجربة وثمرة المعاناة ، أي هو خبرة حياتية متولدة من اشتباك منظومات المعارف والرموز والمبادئ إلى جانب ألاعيب الهوى وأنماط السلطة وأشكال تحقيق المصلحة والاهتمام بالذات ... ولذا فيجب ألا نعتبرها دائمًا نهائية ، فصدق الأفكار يظل مرتهنًا لما تسفر عنه نتائج إنزالها إلى الميدان العملي الذي كثيرًا ما يفقدها تماسكها ويعيد إنتاجها من جديد على وجه الإثراء والتوسيع ، أو على وجه الانتهاك والتأويل . وهذا يعني أن علينا ألا ننتظر الفوز برؤية نهائية ، نسترشد بها في مواصلة البناء وتخطي العقبات ؛ فالأعمال العقلية المتزايدة ، لا تؤدي بالضرورة إلى تقدم عقلاني مطرد ؛ فالنكوص والتراجع من الأمور الواردة بكثرة في هذا الميدان ؛ بل إن للتقدم العقلي مفرزات جانبية شديدة الخطورة ، ولا سيما إذا ما تأتى للعقل أن يتحرر من القيود والقيم الأخلاقية ؛ ثم إن المسيرة الحضارية لا تمضي على هدي أفكار ومخططات يتخيلها مثقفون حالمون متفائلون بمستقبل البشرية على صعيد الفهم والعلم والحوار والرشد والنمو الصحيح ، وإحقاق الحق ، وتجسيد القيم النبيلة ... فهناك أيضًا المصالح والأهواء والشهوات والقصور الذاتي والظروف المعاكسة ... وكل ذلك يجعل من ميادين الحياة مصانع سيئة لإنتاج الأفكار وتطبيقها . وهذا يعني أن علينا حتى نستمر في التجديد العقلي أن نسعى دائمًا إلى تفحّص برامجنا وقراءة أحوالنا ، وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا وإنتاجاتنا ؛ حيث النقص شيء ملازم لنا . وليس المطلوب أن تصبح المحاكمة العقلية لدينا كاملة ، وإنما مداومة فضح الممارسات الفكرية الخاطئة ، وكشف زغل أعمال العقل ؛ فالكمال في كل شأن ليس شيئًا نستحوذ عليه ، وإنما هو شيء نناهزه ، ونحاول الاقتراب منه . وما لم نتعامل مع منتجاتنا الفكرية والمعرفية ، ومع تجاربنا وأحداث العالم من حولنا على هذا النحو ، فإن كثيرًا من مكتسباتنا الفكرية والنهضوية يمكن أن يتعرض للخطر ، أو يصبح موضع تساؤل .

3-التفكير المتوازن:

تجديد البعد العقلي يتطلب أن يدرب الواحد منا نفسه على التفكير المنهجي المتكامل الذي يستجيب لكل ما يطلبه النجاح في الوصول إلى نتائج جيدة ، وأحكام صائبة . وإذا أراد الواحد منا أن يفكر في موضوعٍ مّا فعليه أن يفعل الآتي:

أ- أن يجهز المعلومات التي تتعلق بموضوعه . ولا بد أن يكون على وعي بنوعية المعلومات المتاحة ؛ إذ إن هناك طبقتين من المعلومات: طبقة المعلومات الحيادية التي تمثل الحقائق الثابتة التي انقطع حولها النزاع ، وطبقة المعلومات المعتقَدة لبعض الأشخاص ، والتي هي أقرب إلى أن تكون رؤى شخصية لهم .

المعلومات الثابتة تمثل معطيات يجب احترامها خلال عملية التفكير . أما المعلومات الأخرى فتساعدنا على إضاءة القضية وتحسّن اختيارنا فيها .

ب- لدى كل واحد منا عواطف حول القضية موضع البحث ، ونحن نحاول عدم الاعتراف بها ، وأحيانًا لا نكون على وعي بها ، ومن ثَمّ فإنها تؤثر في التفكير ، وتوجهه على نحو غير سويّ . المطلوب أن نُخرِج عواطفنا إيجابية كانت أم سلبية إلى منطقة الوعي ، ونعترف بها ، ثم نحاول إبعادها عن دائرة التفكير .

ج- لا بد أن نعطي وقتًا للتفكير الناقد الذي يركز على سلبيات القضية موضع النظر . والتفكير الناقد هو تفكير منطقي ، لكنه سلبي ، وهو كثيرًا ما يكون مبنيًا على حقائق وصادقًا ، وإن كان لا يشترط أن يكون منصفًا دائمًا . وعلينا أن نتذكر أن التفكير هو على مستوى مّا تفكير بنائي ؛ حيث لا يستغني أي عمل جيد عن المراجعة وإعادة النظر ، وفي ذلك شكل من أشكال نموّه . وهذا لا يُنسينا أيضًا أن النقد شديد الإغراء ؛ حيث إنه يمنح صاحبه تفوقًا سريعًا على النظراء ، ولذا فينبغي الحذر من الانزلاق إليه بحيث نبدو أننا لا نحسن غيره . ولعل خير ضمانة لذلك هو أن يظل التفكير النقدي على علاقة جدلية بتفاعلات القضايا التي نوجهه إليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت