د- في مقابل التفكير الناقد ، هناك التفكير الإيجابي ، وهو التفكير الذي يركز على الإيجابيات ؛ ففي حالة التفكير في إقامة مشروع تجاري مثلًا يُبرز التفكير الإيجابي كلّ الأدلة والمعطيات التي تؤكد احتمالات الربح ويتم إسدال الستار على كل ما يشير إلى احتمالات الخسارة . تبرز قيمة التفكير الإيجابي حين يستطيع الكشف عن الإيجابيات الخفية للقضية . والحقيقة أن الناجحين ينتبهون دائمًا إلى جوانب النفع الخفية ، وبذلك يسبقون غيرهم . إن من الثابت أنه لا يُغلق باب حتى يفتح باب آخر ، لكن قصورنا الثقافي والتربوي يجعلنا نُشغَل بالباب الذي أُغلق عن الباب الذي فُتح ! ومع هذا فلا بد من القول: إن الخط الفاصل بين التفكير الإيجابي والاندفاع المتفائل المتهور ، هو خط ضيق ، ولذا فإمكانات الخلط بينهما ستظل متوفرة دائمًا .
هـ- لا بد بعد هذا أن نستخدم التفكير الإبداعي الذي يحاول أن يستخرج من معطيات ناقصة حلولًا جيدة ، أو رؤى ناضجة . ولا بد من القول: إن أكثر التفكير الذي نتشبع به في بيئاتنا الثقافية مهيّأ لمعالجة المعلومات ، مثل المنطق والإحصاء والرياضيات ، وتنسيق المعارف ... أما التفكير الإبداعي ، فإنه يحاول إيجاد أشكال جديدة تضاف إلى ما لدينا من تراكيب ندرك من خلالها المحيط . التفكير المبدع يحتاج إلى الوقت ؛ والعجلة هي عدوه الأول . وقد تعودنا أن نقبل أو نتشبث بالحل الذي يظهر لنا لأول وهلة ؛ مع أن الثابت أننا حين نمعن التفكير فإن الأفكار الجيدة لا ترد إلى الذهن أولًا وإنما في آخر المطاف . والمطلوب هو أن نوفر الوقت لاستخراج أكبر قدر ممكن من الرؤى والحلول والاحتمالات ، ثم نعكف على اختيار الأكثر مناسبة لاحتياجاتنا وإمكاناتنا .
التفكير المعوجّ:
إننا حين نمارس التفكير في أي موضوع ، نستخدم في الحقيقة عددًا من العناصر البالغة التعقيد ، مثل مبادئنا العقلية ، وثقافتنا العامة ، وعاداتنا الفكرية والنفسية ، بالإضافة إلى المعلومات المتعلقة بالمسألة موضع التفكير ؛ ثم إننا لا نستخدم كل ذلك في فراغ ، فهناك دائمًا ضغوط واعتبارات ظرفية واجتماعية ، تكتنف تفكيرنا في الأمور . وبما أن كل ما ذكرناه لا يكون في العادة كاملًا ولا نقيًا ، فإن علينا ألا نتوقع أن يكون باستطاعتنا دائمًا النجاح في الوصول إلى تصورات وأحكام راشدة . ولذا فإننا سنظل بحاجة إلى محاصرة أنماط التفكير الخاطئة على نحو ما يصنع الفلاح حين يزيل الأعشاب الضارة من أرضه قبل أن يلقي بذوره .
وفي اعتقادي أن الفائدة من تعلم طرق تفكير جديدة ، ستظل محدودة ما لم نتمكن من تعرية الممارسات التفكيرية الخاطئة والتضييق عليها إلى أبعد حد ممكن . وهي في الحقيقة أشكال وألوان ؛ ويمكن أن نسلط الضوء على بعضها على وجه السرعة .
1-المسلَّمات الثقافية:
نحن إذ نفكر ننطلق من مبادئ ومسلّمات ثقافية ، وتلك المسلّمات ، لا تؤمّن تسايل عمليات التفكير فحسب ، وإنما تريح العقل من عناء البحث والتمحيص أيضًا ، أي تؤمّن له نوعًا من العطالة والسكون ، ومن هنا تنبع جاذبيتها وخطورتها في آن واحد . لو فتشنا في عقولنا لعثرنا على مخزون ضخم من المسلّمات المتعلقة بالناس والأفكار والأحداث . وتصنيفاتُ الأمم والشعوب بعضها لبعض نموذج حي على ذلك: فالشعب الفلاني محتال ، والشعب الفلاني كسول ، والشعب الفلاني ماهر.. ووسائل الإعلام في الغرب (العقلاني) تقترب من أن تصم كل مسلم بالتطرف والإرهاب ؛ مهما تكن درجة التزامه . أما العرب في نظرها فهم شعوب مهووسة بالتبذير والجنس ، تتخبط في الجهل ، وتعشق الفوضى ... وتلك الصور الذهنية ، تشكل مشاعر الناس ، وتوجه سلوكهم ، وتنظم ردود أفعالهم .
إنسان القرن الحادي والعشرين مع أنه يتحدث باستفاضة عن العولمة ، والقرية الكونية ، وتلاقح الثقافات إلا أنه غير قادر على الانعتاق من كثير من المسلّمات الثقافية المتخلّفة ، فهناك انجذاب شديد نحو الإقليمية والعنصرية والطائفية ، أي هناك انسحاب من عالمية الرؤية والثقافة والإحساس المشترك في الوقت الذي تتسع فيه عالمية التجارة ، ويتسايل انتقال المعلومات والأشياء !
2-إسقاط المعلومات غير الملائمة: