الدعوة لأنفسهم حذوك النعل بالنعل. وكان كل فريق يضحك في سره من سذاجة من يصدق أقواله. وكذلك يفعل بعض الأدباء هنا وهم يخفون ما يعرفون من أن الشطط في القول لم يكن مقصورًا على مذهب في الفنون والآداب، وأن مناصرة الفضائل ليست مقصورة على مذهب، وأن جعل الفضيلة مرادفة للمذهب القديم والرذيلة للمذهب الجديد شطط وظلم لا يتفق وروح العدل الذي تأمر به الشرائع السماوية، وأنه حتى على فرض أنهم يفعلون ذلك مناصرة للشرائع السماوية لا كسبًا للرزق والشهرة والمكانة، فإن مناصرة الشرائع السماوية بما ينقض عدل الشرائع السماوية من تعميم هو غاية الظلم يجعل مناصرتهم للشرائع السماوية مهزلة لا يرضاها الله، فان مناصرة الشرائع السماوية لا تكون ألا بفضائلها، فكيف وهم يعلمون أن شطط القول أو الفعل لم يكن قديمًا ولا حديثًا مما يلتصق بطائفة دون طائفة، وأنه لم يخلق الله مذهبًا من مذاهب الفنون من عهد آدم إلى اليوم يصح أن يعد مرادفًا للفضيلة في جميع مظاهره؟
قال الأستاذ الغمراوي إن النزعة إلى التجديد بدأت منذ ثلاثين سنة. وقد أوضحنا أن التجديد بمعناه الأعم الذي شرحه الأستاذ بدأ منذ دخول نابليون مصر وذاع أيام محمد علي باشا وإسماعيل باشا، فليس له مبدأ واحد. أما التجديد بالمعنى الأخص وهو التجديد في أبواب الشعر والنثر ومعانيهما فهو أيضًا مما لا يحد بمبدأ واحد كما يعرف من يدرس حياة الأمم ونمو النزعات والأفكار فيها، ولكن الذي يقرأ مقالات الأستاذ وأقوال بعض الكتاب يحسب أن النزعة إلى التجديد هذه نزعة متضامنة الأفراد متحدة العناصر متفقة الأهواء والمشارب والمبادئ بدأت بمؤامرة على الدين والأخلاق. والذي يدرس حياة الأمم ونمو الأفكار فيها يعرف أن هذا خيال في خيال. والذي يدرس النزعة إلى التجديد يرى أنها ليست ذات مبادئ واحدة وأنها نزعات مختلفة، فان من أدباء التجديد من يرى في المذهب الرمزي كل علو فني، ومنهم من لا يستلذه ولا يقنع عاطفته إلى الفن لإبهامه وسقوط الصلة بين الرموز والحقائق التي تشير أليها الرموز، ولتكاثر الصور فيه بعضها فوق بعض. وقد أوضحنا أن الرافعي - وهو في رأي أصدقائه زعيم المذهب القديم - كان أقرب إلى المذهب الرمزي في بعض كتبه مثل حديث القمر. وليس من البعيد أن يأتي يوم يعد فيه الرافعي من زعماء المجددين في الأدب الرمزي أو زعيمه الأكبر. ولا أحسب أن الأستاذ الغمراوي كان منذ