عباد الله: قبل أن أختم الحديث: اليوم تعود بي الذاكرة إلى قصة ذكرتها بعض كتب التاريخ، قالوا: إن بلدًا من البلدان المتاخمة لحدود الفرنجة من جهة الأندلس وأفريقيا، إن بلدة من هذه البلدان أراد أحد ملوك النصارى أن يغزوها، فأرسل قائدًا من قواده ليتفقد الأحوال فيها، وهل بالإمكان الميسور أن تغزى، فأرسل قائده، فلما عبر النهر إليها، وأرست سفينته على شاطئها، جاء فوجد شابًا يبكي، قال: ما يبكيك يا فتى؟ قال: إني أبكي لأني أتيت بالسهم والقوس والوتر، فانقطع الوتر وأنا أريد أن أتعلم به الرمي والرماية، قال: لماذا يا فتى؟ قال: لكي نذهب لقتال الفرنجة، ولكي نطرد النصارى عن بلاد المسلمين.
فعاد ذلك القائد راكبًا سفينته، وعاد إلى الملك الذي أرسله قائلًا: والله لا تستطيع قتالهم إذا كان هذا وضع واحد من صغارهم، فارجع إلى مكانك، واجمع جنودك واحفظ ما عندك، فلما مضت السنون، عاد ذلك الملك وأرسل قائده أن اذهب وانظر أحوالهم، هل نستطيع أن نغزوهم، فلما عبر النهر ودخل قليلًا في البلاد، وجد شابًا مراهقًا يافعًا يبكي، قال له: ما يبكيك يا فتى؟ قال: أبكي على خاتم أهدته لي حبيبتي فضاع مني، وإني أبحث عنه، خشيت أن يضيع مني أو أن تراني وليس علي.
فعاد القائد إلى الملك الذي أرسله، قال: الآن تغزوهم، الآن تقتلهم، الآن تستبيح نساءهم وتقتل رجالهم.
عباد الله: هذه القصة شاهدٌ على أن شباب الأمة هم الذين يحددون قوتها، وهم الذين يحددون رفعتها؟ يا شباب المسلمين عامة ويا شباب المملكة خاصة! إن الأمل فيكم كبير أكبر مما أنتم فيه، وإن الآمال المعقودة عليكم عظيمة، أعظم من الأمور التي اشتغلتم بها، فاشتغلوا بأمر يرفع أمتكم، ويجعل الأمن يستتب في بلدانكم، ويديم هذا العز والتمكين لكم ولولاة أمركم.
يا شباب أهل هذه البلاد: احمدوا الله على نعمة ليست لأحدٍ فيها سواكم، المياه وصلت إلى الأبواب والدور، والتيارات متيسرة؛ تيار الكهرباء وغيره، وقديمًا كان الآباء والأجداد لا يعرفون إلا الظلمة والفتيل الذي يضيء قليلًا، لا يعرفون إلا آبارًا بعيدة يحملون المياه على أكتافهم، لا يعرفون إلا احتطابًا، لا يعرفون إلا القليل القليل من الذين يتعلم منهم، تعليمكم مجانًا، وعلاجكم مجانًا، وكل أمر تيسر لكم، ماذا بقي إلا أن تقوموا برد الوفاء، وأن تقوموا بحسن الصنيع ورد الجميل.
أولًا: بالالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة حاجة الأمة منكم، لا بارك الله في عُمرٍ يحيا ويموت صاحبه ثم لا يخلف أثرًا نافعًا في هذا المجتمع، هذا كلٌّ على أمته، وكلٌّ على بلاده.
فالله الله يا شباب الأمة: يا شباب التعليم! يا رجال الجامعات! يا من تولى أمر هذه الأمة في أكبر أمر وأصغر أمر فيها! اتقوا الله واعلموا قدر الأمانة التي ألقيت على عواتقكم.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.