فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 3155

أيها الإخوة في الله: إن العبد مأمور بعد التوبة بالإكثار من الحسنات، لتكون ماحية للسيئات، ومرجحة لكفة الصالحات في ميزان الأعمال.

إن العبد مأمور أن يكثر من الحسنات ليتذوق بها لذة ما فاته من نعيم العبادة، والأنس بالطاعة، وهذا أمر ندركه بالحس والملاحظة، لو سأل بعض الشباب أنفسهم عما كانوا يلاقونه ويعانونه من قلق النفوس، وشرود الأفكار، واضطراب الأعصاب، بالرغم مما كانوا يمنحونه ويتيحونه لأنفسهم من إغراق في الملذات والمحرمات، والشهوات المفسدات، وبالرغم مما كانوا يستجيبون فيها لأدنى النزوات، ظنًا منهم أن تحقيق رغبة النفس يورث السعادة والراحة والاطمئنان، ما الذي كانوا يجنونه ويلقونه بعد فعل المعاصي؟ كان الواحد منهم إذا وقف أمام المرآة يرى الظلمة في وجهه، والكآبة في محياه، والذلة في شخصه، ويصبح في حالة نفسية عجيبة، يريد أن يخرج منها فلا يجد مخرجًا إلا بإشعال السجائر، والسهر مع الأصدقاء إلى آخر الليل، وقد يبلغ الحد بهم إلى شرب المسكر، وتناول المفتر والمخدر، لكي يخرج من نكد الوجود، وألم الإدراك والمشاهدة مما يفعله ويرتكبه.

ومثل حاله كحال من رام تغسيل الدم النجس بالدم الذي هو أنجس منه، فكم يفوت المسلم في حال المعصية من الملذات، والأنس بالطاعات والأجور والبركات! حدث عن الخسارة في هذا ولا حرج، ثم بعد ذلك انظر إلى نفس ذلك الشاب الذي أسرف على نفسه انظر إليه بعد أن تاب إلى الله وأناب إلى ربه، وانكسر إلى خالقه، ولينظر الشاب أيضًا إلى نفسه، مقارنًا صورته السابقة بحالته الراهنة بعد التزامه واستقامته، ترى ويرى البِشر والنظارة في وجهه، والأنس والسرور على محياه، والنور يشع من جنبات نفسه بحسب اجتهاده في الطاعة والعبادة، فيزول عن صورته ذلك الجبين المقطب، والظلام المخيم، وخبث النفس الدائم، وسرعة الغضب، وتهيج الأعصاب لترى ذلك الشاب خاشعًا مخبتا، مطمئنًا هادئا، حييًا حفيًا.

إذًا أيها الأحبة: لا بد أن يجتهد العبد في الطاعات بعد التوبة، وليكثر من الأعمال الصالحة، ليحصل على ما فاته وما مضى عليه من الأنس والسعادة، وليتدارك ما مضى بالاجتهاد فيما بقي.

جاء أحد الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (يا رسول الله! أذنبت ذنبًا، فأطرق الرسول صلى الله عليه وسلم برأسه قليلًا، ثم تغشاه الوحي، ثم التفت إلى ذلك الصحابي، وقال له: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114] ) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت