أخي الحبيب! لئن كنت أنت أو أنا ممن لا يعرفهم الناس، أو لا جمهور لنا يسمعون منا أو يحضرون مجالسنا، إن التلفاز جمهوره الملايين، إن الإذاعة جمهورها مئات الملايين، فلماذا لا تتحرك في هذا المجال؟ لماذا لا تعمل؟ ولكن بطول الصبر والتخصص، تجد بعض الشباب -ما شاء الله- كالنحلة، لكن لا يتخصص؛ فهو يومًا في المخدرات، ويومًا في السجون، وآخر في الإذاعة أو التلفاز، ومثله في الصحافة، ويومًا تعب وكسر القلم، ويومًا مزق الأوراق، ثم عاد إلى المكان الفلاني، ويومًا في الأندية، لا تجد له مكانًا معينًا للإصلاح والدعوة فيه.
نقول: إن بدايتنا لإصلاح مجتمعنا بهذه الطريقة، سوف تخرج جيلًا فيه مجموعات، مجموعة تتخصص لإصلاح الأندية، ومجموعة تتخصص لإصلاح الإذاعة، ومجموعة تتخصص لإصلاح التلفاز، ومجموعة تتخصص للمشاركة في طرح برامج مالية للشركات.
أيها الإخوة: نحن نملك الخير الكثير، صافولا شركة الزيوت المعروفة، لما طرحت للاكتتاب، تقاتل الناس من أجل الحصول على كوبونات أو استمارات الأسهم، سبحان الله العلي العظيم! وأصبح الناس يخدع بعضهم بعضًا: تعطني تابعيتك وتابعية أولادك ولك على الرأس أربعون ريالًا، بيع غنم ما شاء الله.
السؤالصافولا لما طرحت الأسهم للاكتتاب، غطت مرات عديدة أكثر من رأس المال، فهل فكرنا أن نطرح شركة إسلامية طبية، شركة للعناية بالشئون الصحية، وهذه من المجالات المفتوحة، ويكون أهم دور من مهمات هذه الشركة إيجاد مستشفيات للولادة لا يوجد فيها رجال أبدًا إلا في الحالات الضرورية، أو الحالات التي لا بد من وجود جراح أو رجل فيها، هذا مشروع من المشاريع.
لو قلنا: إن شعب المملكة بلغ عشرة أو أحد عشر مليون نسمة، هل لا يوجد في المجتمع إلا مليون أو مليونان من الصالحين؟ أنا أجزم أن (80%) ثمانية ملايين نسمة كلهم من الغيورين، وقد أكون مجحفًا بحق المليونين الباقيين، بل كل هؤلاء فيهم الغيرة على إصلاح المجتمع، لا نظل كل واحد يدخل زوجته على الطبيب، وهذا يقول: الضرورات تبيح المحظورات، وهذا يقول: يا رجل! مرة واحدة في العمر، ما الذي يمنع من خلال هذه البدايات أن يفرز لنا هذا البرنامج عقولًا اقتصادية لاستثمار الأموال، بدلًا من أن يكون عندي في البنك عشرة آلاف، وأنت عندك مائة ألف يرابى بها في البنوك، بل لربما رحلت الأموال لكي يرابى بها في بنوك عالمية، لماذا لا نوجد شركات إسلامية كبيرة؟ شركة للأمور الطبية والصحية، شركات للأغذية، شركات للتجارة، وستستغل أموال الناس وتحركها في الخير، وتوظفها في الحلال، وتقدم للمجتمع، لكن المصيبة أن يقول القائل: إما أن يقوم المسئولون والأجهزة المسئولة بتقديم هذا الأمر، وإما لا.
لا يا أخي الكريم! بل إن من صور المجتمعات المتحضرة أن تجعل كثيرًا من المصالح يقوم بها القطاع الخاص إحياءً لروح التنافس، وتوظيفًا للأموال، هذا لو قدم لوجدنا خيرًا كثيرًا بإذن الله جل وعلا.
فأقول: يا أخي الكريم! ابدأ مع إخوانك وإمام المسجد وجيرانك، وكلٌ في حيه والمخطط الذي هو فيه، وابدأ بداية معقولة، لا تقل: والله أنا سوف أغطي ألف بيت في هذا المشروع، لا، غط مائتين أو ثلاثمائة بيت، استمر في هذه الثلاثمائة بيت على حدود جيدة، وبتواصل وعطاء مستمر وسترهقك الأعباء المالية، هذا المشروع مكلف، لكن حينما يتبرع كل واحد من دخله بجزء بسيط، مائتين أو ثلاثمائة ريال شهريًا، مبلغ ليس بكثير على دين الله والدعوة إلى الله جل وعلا.
أيها الإخوة! قد يقول قائل: مسكين هذا الشيخ، مسكين هذا المتكلم عنده آمال خيالية، البث المباشر يفسد، المجلات تفسد، ادخل مكتبة لترى صور النساء العاريات الكاسيات، انظر إلى القنوات لترى الفساد في الإعلام، انظر إلى الأسواق لترى التبرج، أقول: يا أخي الكريم! هي سنة من سنن الله، لا بد أن تعمل وتصبر، وسوف تؤذى ويستهزئ بك: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين:29 - 30] {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام:10] {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1 - 3] .
يا أخي! إن قليلًا من الحق يزهق كثيرًا من الباطل: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18] وقديمًا قيل: الحق أبلج والباطل لجلج.