وما أجمل التقوى في واقعة حصلت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة سافر زوجها إلى الجهاد، وأبطأ عنها وتأخر، وكان عمر خليفة رسول الله أمير المؤمنين كان يجوب الأسواق ليلًا، يستمع وينصت إلى حوائج الضَّعَفَة والمساكين، فسمع امرأة تناجي نفسها، وتقول:
تطاول هذا الليل واسودَّ جانبُهْ وأرَّقها أن لا خليل تداعبُهْ
فوالله لولا الله تُخشى محارمه لَحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ
فسأل عمر عن هذه المرأة، وسأل قبل ذلك ابنته حفصة، وأجابته وقالت: [يا أمير المؤمنين! ألم تقرأ كتاب الله جلَّ وعَلا؟] وفهم من ذلك ألا يتأخر الرجل عن زوجته أكثر من ستة أشهر، ثم بعد ذلك أمر أن يُرد زوجُها إليها.
ولكن العبرة في حال هذه المرأة التي لا رقيب عليها سوى الله، ولا حسيب لها سوى التقوى، زوجها بعيد، والليل مظلم، وما ردها عن المعصية إلا تقوى الله ومخافة عذابه.
وتلك الأخرى التي سمعهما عمر، إذ امرأة تقول لابنتها: يا ابنتي! امذُقي -أو امزجي- اللبن بالماء، قالت: وأين أنت يا أماه من عمر؟! قالت: إن عمر لا يرانا، فقالت تلك الصغيرة البريئة: ولكن رب عمر يرانا.
هكذا كانت منزلة التقوى في قلوب كثير من العباد، إذ تزينت لهم المعاصي، وتهيأت لهم المنكرات، تجافوا عنها وابتعدوا، وخافوا من ربهم جلَّ وعَلا.
خَلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
والتقوى هي أزمة المجتمعات في هذا اليوم، حاجتنا إلى التقوى عظيمة، وأَزمَت مجتمعاتنا لفقد التقوى، التقوى مفقودة في كثير من مجالات الحياة، لو وجدنا الكثير قد اتقوا الله جلَّ وعَلا فيما تولوه من مصالح المسلمين، وفيما تولوه من مصالح تعليم أبناء المسلمين، وفيما تولوه من مصالح المسلمين عامة.
كل إنسان وكل فرد لو اتقى الله فيما دونه؛ الموظف يتقي الله في وظيفته، والجندي يتقي الله في أمن بلده، والطالب يتقي الله فيما تعلمه، والمسئول يتقي الله في مسئوليته، لم نجد فسادًا، ولم نجد خرابًا أو دمارًا، ونحن بخير ولله الحمد والمنة، وإن كان النقص قد دبَّ إلينا شيئًا فشيئًا، وما ذاك إلا لبُعدنا عن التقوى، ولاستهتار بعض المسلمين بمراقبة الله جلَّ وعَلا، وعدم مراقبة ربهم، واستحضار التقوى في كل أعمالهم، وفي كل ما يأتون ويذرون.
نسأل الله العلي العظيم الجليل الكريم أن يؤتي أنفسنا تقواها، وأن يزكيها هو خير من زكَّاها.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وأبطِل كيد الزنادقة والملحدين.
عباد الله: قد ندب الإمام -معاشر المسلمين- إلى صلاة الاستسقاء صبيحة يوم الإثنين.
فالله الله لا يتخلفَنَّ أحدٌ عن ذلك، ولا يقولنَّ امرءٌ: ما لي ومال هذا، لستُ بذي زراعة ولا محصول، ولا يهُمُّه المطر في قليل أو كثير؛ لِتَوافُر المياه أمامَه، لا.
لا يقولنَّ امرء ذلك؛ ولكن ليعلم أن الغيث رحمة، وأن الغيث توبة ومغفرة من الله جلَّ وعَلا، وشعور من العباد بأن ربهم تقبل دعاءهم، وقد تلطف بحاجتهم وهو أعلم بها قبل أن يسألوه.
فالله الله لهذا، ولا تغفلوا عنه.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء الضعفاء المساكين إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سَحًا غدقًا نافعًا غير ضار، اللهم اسقِ العباد، والبهائم، والبلاد.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم انصرنا ولا تخذلنا، اللهم أعنا ولا تعن علينا.
اللهم مَن أراد المسلمين بسوء، وأراد ولاةَ أمورهم بفتنة، وأراد علماءهم بمكيدة، اللهم فاجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا سميع الدعاء.
اللهم من أراد بشبابنا ضلالًا، وأراد بنساء المسلمين تبرجًا وسفورًا، اللهم أرنا فيه يومًا أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
اللهم عذب الذين لا يريدون لدينك نصرة ولا عزة، اللهم من أراد دينَنا بعزة فأعزه بعزتك يا رب العالمين.
ومن أراد للمسلمين ذلة فاخذله، يا أكرم الأكرمين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباًَ إلا غفرته، ولا همًا إلا فرَّجته، ولا دَينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا أسيرًا إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضًا ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا عليها ويسرتها لنا، يا رب العالمين.
اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالَنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك.
اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعفُ عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم آمِنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم لكتابك ولسنة نبيك، اللهم أصلح مُضَغَ قلوبهم، اللهم أصلح بطانتهم، ومَن علمتَ فيه خيرًا فقرِّبه منهم، ومَن علمتَ فيه سوءًا لهم وللمسلمين فأبعده عنهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، محمد بن عبد الله، أكرم الخلق، وأفضل البشر، وسيد المرسلين والأنبياء أجمعين.
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على نبينا محمد، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اتبع هداه، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه التي لا تستطيعون حصرها ولا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.