انظروا إلى شأن فاطمة بنت نبينا صلى الله عليه وسلم، بنت النبي، بنت ملك الدولة، بنت رئيس الدولة، بنت إمام الدولة الإسلامية العظمى، قال زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [سنوتُ] أخذت أستخرج الماء من البئر بالسانية، والناس تسني على الأباعر والحمر والثيران وغيرها وعلي يسني بنفسه، قال: [سنوتُ حتى اشتكيت صدري] يخاطب زوجته وصاحبة خدره وفراشه، قال: [سنوتُ حتى شكوت صدري، فاطلبي يا فاطمة من أبيك خادمًا، فلقد بلغني أنه قد جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسبي] فذهبت فاطمة، ولما وقفت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم استحت! ما أجمل الحياء! ما أجمل العفاف! ما أجمل هذا الحياء الذي ظهر وأيرق وأشرق وأزهر في بيت النبوة، بعد أن استحت عادة مرةً أخرى، فذهب علي بنفسه رضي الله عنه وقال: [يا رسول الله! سنوتُ حتى اشتكيت صدري، وطحنت فاطمة حتى مجلت يداها] أصابها شيءٌ من آثار القروح من أثر ما تطحنها على الرحى وهي تعلف النوى لفرس علي بن أبي طالب.
قال علي: [يا رسول الله! فهب لنا خادمًا] فهل قال صلى الله عليه وسلم: أبشر بسواد عين، فإن ابنتي عندك؟! أو قال: أبشر لعينك يا علي يا بن أبي طالب يا بن عمي؟! لا.
بل قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة -الفقراء المساكين المحتاجين الذين يطوون الحصى على بطونهم من الجوع والفاقة والحاجة- تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم، لكن أبيع السبيَ؛ فأنفق على أهل الصفة) .
ثم ولى علي رضي الله عنه، وفي الليل جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته وزوجها، فوجدهما قد تغطيا بفراشٍ إن غطيا به رأسيهما بدت رجلاهما، وإن غطيا به رجليهما بدا رأسيهما، الله أكبر! فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، قال علي: والله إني لأجد أثرَ برد قدم الرسول صلى الله عليه وسلم على كبدي، فقال: (أفلا أخبركما بما هو خيرٌ لكما من خادم؟ تسبحان دبر كل صلاةٍ عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا) وهذا في مسند أحمد، وفي صحيح البخاري: (إذا أويتما إلى فراشكما سبحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا الله ثلاثًا وثلاثين، وكبرا الله أربعًا وثلاثين) قال علي: [فما تركتها، قيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين] .
نساءٌ لم يذكرهن التاريخ بفاحشة ولا بمعصيةٍ ولا بدناءةٍ ولا بخسةٍ ولا بسخافةٍ أبدًا، منهن فاطمة رضي الله عنها، أول أهل الرسول لحاقًا به، فقد أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بخبرٍ سارّها به فيما بينه وبينها، وعائشة تنظر إليهما، فبكت فاطمة ثم سارّها مرةً أخرى؛ فضحكت فاطمة، فماذا كان السر الأول المبكي؟ وما هو السر الآخر المضحك الذي بعث على الفرح والابتسامة؟ أما الأول: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتِ أول من يلحق بي من أهل بيتي) فبكت رضي الله عنها وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله بستة أشهر.
ثم لما سارها مرةً أخرى، قال: (وأنت يا فاطمة سيدة نساء أهل الجنة) .
يا أمنا! يا أختنا! يا جدتنا! يا زوجةً لإخواننا! يا فتاةً من بناتنا! لو قيل: إن مطربةً فلانية ستحضر النادي الفلاني؛ لتهيأ كثيرٌ من البنات لكي تقف أو تصور أو تجالس أو تظفر بكلمة أو توقيع على ما يسمى بالأتوجراف، أو ورق الذكرى لكي تحتفظ وتفتخر به.
يا أمنا! يا أختنا! يا زوجة أحد إخواننا! ألا يسرك أن تكوني صديقةً ورفيقةً وزوارةً لسيدة نساء أهل الجنة في الجنة؟ بلى والله إن ذلك لهو الفوز العظيم، أن تكوني صديقةً لـ فاطمة، وأن تكوني قريبةً من خديجة، وأن تكوني جليسةً لـ عائشة رضي الله عنها.
ولما حانت منية فاطمة رضي الله عنها ودعها زوجها وغسلها وكفنها وصلى عليها.
هذا نهاية المطاف في الحياة وبداية الانتقال إلى دار برزخية.
عائشة نهايتها الموت، فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أيضًا كانت نهايتها الموت، وكذلك خديجة وغيرها أفأنتِ لن تكون لك مثل هذه النهاية؟ ستموتين وسنموت جميعًا.
أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح
لو كانت الأعمار تبقى لواحدٍ لكان رسول الله حيًا مخلدًا
فيا أمنا! يا أختنا! يا زوجة أحد إخواننا! يا امرأة ندعوك بالله وإلى الله ولوجه الله، أفلا تزورين خديجة رضي الله عنها، وهي التي يقرؤها جبريل الرسول الأمين السلام ويبشرها من الله ببشارة، يقول لزوجها محمدٍ صلى الله عليه وسلم: (بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب) .
يا أختنا! يا فتاة الإسلام! يا امرأة الإسلام! ألا تريدين أن تكوني زوارة صديقة جليسة أنيسة لـ خديجة؟ بلى والله.