كذلك من أسباب الانحراف: البيئة التي ينشأ فيها الشاب: بعض الشباب نشأ في بيئة لم ير شفة أبيه إلا والسيجارة عليها، ولم ير حال أبيه إلا وهو على أريكة متكئًا ينظر إلى صور وغاديات وراقصات ومغنيات ومطربات، ولم ينظر إلى أمه إلا غافلة لاهية، ولم ينظر إلى من حوله إلا في بعد عن طاعة الله ورسوله، فمن أين بالله ينشأ هذا؟
إذا كان رب البيت للدف ضاربًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
الولد ينشأ على ما عود عليه:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
إننا نستطيع أن نربي أطفالنا وناشئتنا بأبسط الوسائل وأيسر الأساليب، وأسهل الطرق، تربية تحصنهم تحصينًا نافعًا ضد كثير من المعاصي والمنكرات، إذا أحسنا تربيتهم.
أيها الأحبة! إننا ننازع التربية، اليوم أسألكم بالله: من منكم يربي ولده يوميًا ساعتين، هل يوجد؟ أنا لا أقول في المائة واحد، بل أتحدى أن يخرج من الخمسة آلاف واحد يقول: أنا أجلس مع ولدي ساعتين يوميًا، ولا أبالغ في هذا الكلام، إلا الذي يقول: والله أنا أجلس على مباراة الكرة أنا وإياهم ساعتين وثلاث، أو أجلس أنا وإياهم على فلم السهرة، أو أجلس أنا وإياهم على الـ ( mbc) أو على القناة الفلانية، أو على (أوربت) أو القنوات الفضائية، نعم بعض الناس -ما شاء الله- يظن أن هذا من التربية، لا، السؤال عن التربية الحقيقية، التربية على كلام الله ورسوله، التربية على التخويف من النار والترغيب في الجنة، التربية على التشويق إلى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والتعرف على الصحابة في الجنة، التربية على الطمع والأمنية أن تنظر العيون إلى وجه الله الكريم، من يقوم بهذه التربية؟ نحن ننازع التربية.
المدرسة تربي وبارك الله في العلم والتعليم والمعلمين، نسأل الله أن يسددهم، ولكن من المصائب أيضًا أن بعض الأولاد ربما عاد من المدرسة بداء عضال، وتلك مصيبة، والسبب وجود عينات من الطلاب من أسر غير مهذبة وغير نظيفة، أخذت تعدي بقية الطلاب بعدوى جعلت الناس يبحثون عن مدارس معينة من أجل المحافظة على الولد، وإذا خرج الولد من المدرسة من الذي يشارك في التربية؟ إنهما الشارع والسوق، هذا الكلام لا نلوم فيه أحدًا، نلوم فيه أنفسنا ومجتمعنا وما هو تحت أيدينا ونقدر على إصلاحه وتغييره بإذن الله عز وجل.
ثم إذا انتهى موضع الشارع، تستلمه الشاشة وتربيه لك ساعتين على أفلام كرتون، وساعة برامج وهلم جرا إلى أن ينام في طريقه، أنا أقترح وأجدها أيها الأحبة سهلة وميسورة: إن كنت قادرًا على أن تجلس مع ولدك يوميًا لا تفارقه من بعد العصر إلى وقت النوم، فهذه قمة التربية، أنا لا أقول لك: كن جاسوسًا عليهم أربعًا وعشرين ساعة، تفرض عدم الثقة فيهم، لكن أقول: أن تكون لصيقًا صديقاًَ رفيقًا معهم في أغلب أحوالهم إن لم يكن فيها كلها، إذا استطعت نعم، لكن اليوم أغلب الناس مشغولين، الأب كان الله في عونه في العمل، ومتى يأتي، ثم في العصر لا بد أن يرتاح ويخلد إلى الراحة، وإلا يأتي واحد ويقول: أنت تعال نام جنبي هنا، وأنت جنبي هنا، وأنت تعال عند رجلي، الواحد يمسك أربعة خمسة بيديه ورجليه هذه ليست طريقة.
لكن هنا مسألة سهلة، إذا كنت أبًا مشغولًا فلن تعجز أن تبحث عن الأبرار، واحد من الأبرار الأخيار تقول: تعال يا أخي، أنا عندي هذا الطفل، عندي هذان الطفلان، عندي ثلاثة أطفال، أريدك يوميًا تستلمهم بعد صلاة العصر في حلقة تحفيظ القرآن، تجلس معهم وتتأكد أنهم قرءوا قراءة مجودة مرتلة ممتازة على الشيخ في المسجد، فإذا سمعوا على الشيخ في المسجد أعد التسميع والمراجعة منهم إليك، ثم خذهم إلى البيت وراجع دروسهم، فإذا انتهت مراجعة الدروس اشرب أنت وهم، وأعطهم من هذه القصص، بعد المغرب هات من السيرة النبوية، ومن قصص الصحابة والتابعين إلى العشاء، حتى رأسه يدور مستعد للنوم يستلم الفراش، وما تجد أحدًا ينازعك التربية أبدًا بهذه الطريقة.
الآن بعض البيوت فيها سواق أو أكثر، وفيها عدد من الخادمات، وفيها وفيها، ولو تقول لبعض الآباء: احضر واحدًا من خريجي الجامعات الإسلامية من البلدان الإسلامية المجاورة، من زملائك الذين تثق فيهم هنا، قال: أنا مجنون ادفع ألف ومائتين أو ألف وخمسمائة ريال على قضية تربية؟! إذا لم يكن هذا الولد صالحًا فسيكون فتنة وبلاءً {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28] ويكون الولد عدوًا: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن:14] فإذا شئت أن يكون الولد صديقًا لا عدوًا، وحسنة لا فتنة فعليك بتربيته، فإن ذلك يجعلك تأمن من انحرافه بإذن الله عز وجل.
قد يقول قائل: يا أخي أنا على الله أسدد فاتورة الكهرباء، وأنت تريدني أن أحضر شخصًا بألف وخمسمائة ريال شهريًا، هذا كلام معقول، أنا وأنت والثاني والثالث نحن أربعة نحضر واحدًا ونتقاسم راتبه، ونقول له: يا أخي! مسئوليتك بعد العصر أن تستلم هؤلاء الأولاد من هذا الوقت إلى هذا الوقت تدرسهم دروسهم، تراجع لهم حفظ قرآن، مراجعة من السيرة، من الأدب، اجعلهم فصحاء، علمهم آداب الدخول والخروج من الخلاء، والصباح والمساء، ومخاطبة الناس، والرد على الجاهلين، علمهم هذا الأدب، والله ليس بكثير لو أنفقت كل مالك على تربية أولادك.
يا إخوان نصيحة لوجه الله، لا تستكثر على أولادك مالًا تنفقه في التربية، فإنك سوف تعوض هذا المال حسنات تنفعك وأنت في قبرك: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها ولد صالح يدعو له) تريد أن تكون حيًا وأنت في المقبرة، تريد أن تصلي وتسجد وتصوم وتعتكف وتتصدق وتجاهد وأنت في المقبرة، انتبه لولدك وابنتك وربه تربية طيبة، فإن ذلك بإذن الله يحقق خيرًا عظيمًا.
من أسباب الانحراف: الفجوة بين الصغار والكبار: بعض الصغار يتوقع أنه من الصعوبة أن يكلم رجلًا كبيرًا، وبعض الكبار يأنف أن يكلم هؤلاء الصغار، قال أنس: كان صلى الله عليه وسلم يسلم على الصبيان، وكان ابن عباس وهو شاب صغير، يجلس مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقولون: بما نلت العلم؟ ويقول: بلسان سئول وبقلب عقول.
نعم أيها الأحبة! إن كسر الحواجز الموجودة بين الصغار والكبار تجعل الصغار يتشجعون على أن ينالوا درجات الرجولة التي يتمتع بها الكبار، وينبغي للكبار أن يزيلوا هذه الجفوة وشيئًا من الكبر الذي يقعون فيه، ليس عيبًا أن تسلم على ولد جارك الصغير وتطأطئ رأسك له، وتسأله كم حفظت من القرآن، في أي سنة أنت؟ ما شاء الله عليك، أجبني كم عدد أركان الإسلام؟ هل تعرف هذا السؤال؟ تفضل هذه جائزة، ينبغي أن ينظر بعضنا إلى أبناء بعض من أبناء جيراننا وأبناء حينا نظرة أبوية، وعطفًا حانيًا عليهم.
إذا كسرت الحواجز بين الكبار والصغار، أصبح الصغير ينظر إلى شيم وأنفة وآداب الكبير فلا يتردد أن يسير مثله.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
لكن للكبار شلة معينة، والصغار شلة معينة، داءٌ يسري في كل حلقة وكل دائرة على حدة، ثم لا يستفيد أحد من أحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.