أخي الحبيب: إذا فهمت وأيقنت أن بوسعك الاختيار، فإن طريق الاختيار هو الصاحب والصديق، والأمر من الجليس والطبع استراق.
خذ شابًا وسوف يأتي لك بالعجائب هذه عنز سورية، وهذه عنز سعودية، وهذه عنز من سيراليون ساحل العاج، وهذه عنز مصرية، وهذه عنز من كذا، والتي يقص أذنها تصبح أغلى، والتي تقص ذنبها تطول، والتي تفتح رجلها تطلع (تاندة) ما هذا الكلام؟! فتجد عنده عجائب وعجائب لا تنتهي بسبب أنه جالسها، والتيس الذي اسمه صدام قيمته ستمائة، والتيس الذي اسمه سحاب قيمته مائتان، وولد الجازي قيمته ثلاثة عشر، كلام فارغ! القضية وما فيها: أن الرجل ما قرأ كتبًا، فلا يوجد كتب تتكلم عن إتحاف الميئوس في أحكام التيوس، إنما جالس أصحاب التيوس والغنم فأصبح لو مرت من أمامه غنمة وضع الذي في يده وأخذ يلاحقها! فالإنسان إذا جالس قومًا أصبح منهم.
وتعال وانظر إلى بعض الشباب الذين حديثهم: هل تعلم أنه صدر الآن في المكتبات شرح جديد للبخاري اسمه فتح الباري لـ ابن رجب؟ سبحان الله! هل تعلم أن شرح الممتع لـ ابن عثيمين وصل إلى الجزء السابع؟ هل تعلم أن الكتاب الفلاني بلغ المكان الفلاني؟ هل تعلم أن كذا طبع مرة أخرى؟ هل تعلم أن الطبعة الأخيرة محققة وخرجت أحاديثها؟ هل تعلم أن هذا الكتاب نفذ من الأسواق؟ من أين أتى بهذه المعلومات؟ جالس طلبة العلم وأهل الكتب والكتاب والوراقين وغيرهم.
فيا أخي الحبيب! أنت تصنع شخصيتك باختيارك، وأكرر مرة أخرى: لا يحتقر الإنسان نفسه، فإن من الأسباب التي جعلت بعض الشباب ينحرف ليس حبًا في الانحراف، ولكنه احتقاره لذاته، عندما أراد أن يحضر محاضرة جاءه الشيطان وقال له: أنت ما زلت في ضلالك وتريد أن تحضر محاضرات؟! وتريد أن تصبح مثل الشباب الملتزمين؟! اذهب وابحث لك عن سمر مع الذين يشيشون في الرصيف وشيش معهم، أنت لست لهذه الأمور! إن الشيطان يأتي إلى أحدهم فيصرفه عن طريق الهداية، ويخذله ويحطم شخصيته، ويوهن ويضع من قدره، وصدق الله العظيم حيث قال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة:268] لكن لو أن الإنسان احترم نفسه، وإذا جاءه الشيطان وقال له: لا تذهب، لست بكفء، قال له: اخسأ يا عدو الله! أنا ذاهب إلى المركز الصيفي ولابد، فلابد أن تشعر أن الشيطان عدو ممثل في شخص معين يستعرض عضلاته أمامك، ويدفعك ويأخذ بحجزك، ويدفع دونك من أن تصل إلى أماكن الخير ومواقع الفائدة، كما قال الله عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر:6] كيف تتخذه عدوًا؟ لو قلت لك: الشخص الفلاني الذي في فصلك في المقعد الرابع من جهة السبورة هذا الطالب عدو لك، كيف سيكون موقفك وتصرفاتك تجاه هذا العدو؟ أولًا: لن تحبه، ثانيًا: لن تسمع لقوله، ثالثًا: لو قال أنا لك من الناصحين ستقول له: كذبت، بل أنت من الغاشين المخادعين، رابعًا: لو أعطاك دسمًا قلت: هذا سم، ولو أعطاك عسلًا لقلت: هذه نجاسة، دائمًا تتهمه في نياته ومقاصده، فكذا ينبغي أن نتعامل مع الشيطان ومع الهوى والشهوات، لأنها تجرنا وتدفعنا إلى رذيلة ونقيصة.