فهرس الكتاب

الصفحة 2060 من 3155

الحمد لله الذي أحل النكاح وحرم السفاح، وقال جل من قائلٍ عليمًا: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل فيما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن الله جل وعلا قد أكمل الدين، وأتم النعمة، فمن زاد أو استحسن غير ما شرعه الله جل وعلا فقد ابتدع وشرع وضل ضلالًا مبينًا، واعلموا أن الله جل وعلا ما حرم شيئًا إلا لفساد عاقبته وحاله ومآله على عباده، وما أباح شيئًا أو أحله إلا لمصلحة عباده فيه {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] .

إن هذا الدين جاء لإسعاد البشرية، جاء لينشر الأمن والطمأنينة في ربوعها، وليحل السلام في أرجائها، ليسعد الناس صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، ليجتمعوا على محبةٍ ومودة، ويتعاملوا على صدقٍ ووفاء، ولأجل ذلك جاءت شرائع الإسلام متكاملة لتحقق هذه السعادة التي هي بدورها توفر أجواءً طيبة لعبادة الله سبحانه وتعالى، وتكبيره وحمده والثناء عليه واستغفاره وتسبيحه، إذ لم يخلق الخلق إلا لهذا المقصد العظيم، فإن كل تشريع في الدين ما جاء إلا ليحقق مصلحة، وما جاءت هذه المصلحة إلا لتصب في الغاية النهائية التي لأجلها خُلق الخلق وهي عبادة الله جل وعلا، ولأجل ذا ومن بين ذلك كله شرع في هذا الدين النكاح، شرع شرعًا طيبًا محكمًا عدلًا متكاملًا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82] .

إن هذا الدين العظيم ينظر إلى هذه النفوس البشرية، وينظر إلى ما فيها من الغرائز والشهوات، فلا يكبتها على طريقة الرهبان، ولا يطلقها على طريقة الإباحيين الغربيين المتحللين، وإنما يشرع ما يحققها بضوابطها، ومن ثم توظف الغرائز في نفع الأمة، وإحلال الأمن والطمأنينة في أنحاء المجتمع، فانظر إلى غريزة حب المال إن الإسلام ما حذر الناس من جمع المال أو نهاهم عنه، ولم يبح لهم إطلاق أيديهم في جمعه وصرفه في كل سبيل ومن أي طريق، وإنما شرع للعبد أن يجمع المال، وندب إلى أن يصرفه في مصارفه التي تعود على الأمة بالنفع والفائدة، كذلك غريزة الجنس في النفوس ما جاء الإسلام ليقطعها أو ليكبتها، وما أباح إطلاقها في الأعراض والذوات، وإنما جاء ليضبطها {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت