فهرس الكتاب

الصفحة 1412 من 3155

واعلموا -يا عباد الله- أن إظهار البلوى والمصيبة سواء كانت مرضًا أو فقرًا أو غير ذلك، إما أن يكون شكوى إلى الله تعالى، كما قال أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] وكما قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86] فهذا النوع من إظهار البلوى لا ينافي الصبر، بل قد يكون مقصودًا من الابتلاء والامتحان؛ لأن الله جل وعلا قد يبتلي عبده بالمصيبة والمحنة ليسمع أنينه متضرعًا إلى ربه، ولينظر خشوعه وإخباته ومناجاة العبد له، وإما إظهار البلوى لغير الله، فإن كان لحاجة كبيان مظلمة لمن يقدر على رفعها، أو شرح العلة لطبيب يداويها، فإن ذلك لا ينافي الصبر ما دام العبد راضيًا بقضاء الله وقدره، غير متبرم أو متضجر مما نزل به من البلاء، وأما إن كانت شكواه لغير الله إلى من لا حاجة ولا فائدة في ذكرها له، وبثها المبتلى متبرمًا متضجرًا ساخطًا معترضًا، فهذا لا يستفيد من المصيبة شيء سوى العذاب في الدنيا، وقد يحاسب على سخطه وتضجره في الآخرة، سيما إن كان ذلك السخط مصحوبًا بما يوحي الاعتراض، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره.

وقد يظهر العبد بلواه وقد يبوح العبد بمصيبته إلى حبيب يواسيه أو صديقٍ يسليه في مصيبته بما يثبته ويعينه على الاسترجاع فيها، واحتساب ثواب الله عليها، فهذا مما لا بأس به -أيضًا- وفي هذا يقول القائل:

وأبثث عمرًا بعض ما في جوانحي وجرعته من مر ما أتجرع

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجع

واعجبوا إن شئتم -يا عباد الله- ممن إذا حلت به البلية ونزلت به المصيبة، دعا بالويل والثبور على نفسه وضج بالشكوى ساخطًا، متبرمًا لغير الله، إلى من لا يملك لنفسه دفعًا ولا نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن يدفع عن غيره سوءًا أو يجر إليه مغنمًا أو خيرًا، وكأن لم يبتل في هذه الدنيا سواه، ولم يصب من الخلق إلا إياه، وترون مثل هذا النوع من الناس يزداد بالتشكي يأسًا وجزعًا وقنوطًا وهلعًا وهو كما قال القائل:

تلذ له الشكوى وإن لم يجد بها صلاحًا كما يلتذ بالحك أجرب

فمثل هذا الجاهل في مصيبته وشكواه، كمن يشكو الله إلى الناس، وهذا في غاية الضلال عن الهدى، رأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال: يا هذا! والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، ولنتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم (من عظمت عليه مصيبته فليتذكر مصيبة المسلمين فيَّ) إذ لا مصيبة على الأمة في سالف زمنها وآخره أشد من مصيبتها في فراق نبيها صلى الله عليه وسلم.

إذًا فالذي ينبغي لكل مسلم حلت به المصيبة أو نزلت به البلية أن يصبر، ويحتسب امتثالًا لأمر الله عز وجل عباده بالصبر حيث قال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة:153] وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران:200] وامتدح الله عباده الصابرين وأثنى عليهم بقوله جل شأنه: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177] ، وأخبر الله سبحانه وتعالى بمعيته مع الصابرين بقوله: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] وحسبكم في ثواب الصبر أن الله يجزي أهله الصابرين أجرهم بغير حساب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت