إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديه وسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، التقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، التقوى سبب الفوز في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.
معاشر الأحباب! في هذه الأيام نشهد مناسبات تثلج الصدور، وتطمئن القلوب، ألا وهي إقبال كثير من الشباب وانتقالهم من حياة العزوبة والتأيم إلى حال الزوجية والسكن والاطمئنان.
معاشر الأحباب! هذه ظاهرة يفرح بها كل مسلم، إذ إن الزواج لا شك إحصان لفروج الشباب، وغض لأبصارهم، ولكن ينبغي أن نذكر في المقابل شبابًا يكتمون أناتهم وآهاتهم، ويحبسون غرائزهم رغبة في النكاح ولكن لا يجدون إليه سبيلًا، رغبة في الإحصان والعفاف، ولكن قلة ذات اليد، وظروف العيش بالنسبة لهم حال بينهم وبين ذلك، فهم على فئتين: فئة آثرت أن تصبر وتحتسب حتى ييسر الله لهم من همهم فرجًا ثم يتزوجوا بعد ذلك.
والبعض الآخر لم يجدوا ولم يبالوا إلا أن يتوجهوا إلى بلاد الغرب ودول الإباحة؛ ليفرجوا عما يحبسونه من الغرائز في جوارحهم، ولا شك -أيها الأحباب- أننا وإن شهدنا هذه المناسبات الكثيرة في هذه الأيام إلا أننا نرى عوائق أخرى تحول بين الشباب وبين الزواج، وتجعلهم يبتعدون عن حياة السكن والاطمئنان، ألا وهي مشكلة غلاء المهور، تلك هي أكبر عامل يصد الكثير من الشباب عن الزواج، وتجعل المجتمع يميل ميلًا خطيرًا عن جادة الصواب في الطريق الأمثل إلى تكوين الأسرة المسلمة، فإن غلاء المهور والمغالاة للصداق لهي المشكلة الثانية التي تأتي بعد سوء الاختيار أو الزواج من دول الخارج بلا مبالاة أو تقدير للعواقب والآثار، ومشكلة الغلاء بوجه عام نراها شبحًا مانعًا وإن قال البعض: إنها خفت شيئًا يسيرًا، ولكنها والله ما زالت بحالها إلا في نوادر من بعض أهل البيوت الذين امتلأت قلوبهم مروءة وشهامة، وآثروا الكرامة والتقى لبناتهم ولمن يصاهرونهم على الرغم من تأخر البنات في كثير من المنازل بلا أزواج، وإلحاح البعض من البنات صراحة في طلب الزواج اعتبارًا بسوء المصير الذي لحق من قبلهم، واعتبار البعض الآخر من الآباء والأولياء بعد أن رأوا الشقاء الذي جروه على بناتهم بسبب مغالاتهم لمهورهن، أو تأخير زواجهن لعل ذلك ابتغاء المزيد من الرواتب، والنفع المادي، وإن كان بعض أولئك يذكر نفسه بادعاء المحبة الخالصة لابنته، وعدم قدرة قلبه على فراقها، إلا أن الذي يجب أن يعرفه كل واحد منا أن تمام المحبة والمودة هي أن نسعى في زواج من هو تحت ولايتنا من بناتنا وأخواتنا، حتى ولو لم يأتِ خاطب يخطبها منا، فلنبحث نحن عن أزواج أكفاء، ولقد جاءت الآيات والأحاديث مبنية ومبينة وجوب أداء المهر والصداق وعدم المغالاة فيه، ومن ذلك قوله جل وعلا: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4] فالصداق إذًا هو للمرأة؛ هو لابنتك أو لأختك، هو للمرأة التي يراد لها أن تتزوج، أو يطلب الزواج منها، وليس المهر للأب والأم، أو للخال والخالة والعم والأقارب، وما يفعله الكثير من الناس هذا اليوم يقول: أريد مبلغًا وقدره كذا لأمها، وحاجة وقدرها كذا لأبيها، ومبلغًا آخر لخالها، هذه جريمة اجتماعية، والذين يقعون فيها يجدون غبها ولو بعد حين.
وقف بي شاب ذات يوم بعد صلاة الجمعة في هذا المسجد وسألني قائلًا: إنني أريد أن أقترض مبلغًا فلم أجد إلا رجلًا يداينني مداينة،، فقلت: ما الذي يحدوك إلى ذلك؟ قال: الزواج، قلت: وهل تزوجت؟ قال: لقد خطبت ابنة قريب لي قد فرض علي من المهر مبلغًا وقدره (120000) ألف ريال فمن أين لي بهذا؟ قلت له: وماذا فعلت؟ قال: بدأت أقترض من فلان وعلان، أدفع راتبًا إلى آخر، وأحرم نفسي ما أشتهيه حتى جمعت قرابة ثمانين ألفًا، وتدينت سيارة بأضعاف قيمتها، والآن بقي علي عشرين ألف ريال، ولقد أخبرني والدها إن لم آت وأكمل المهر فإنه سيزوجها برجل آخر، فكان لا بد من ذلك المسكين أن يذهب إلى والدها وأن يسلم له ما جمع بيده، فقال: زوجنيها، فعقد له عليها، فدخل بها، ولكن الأب أمسك البنت رهينة عنده حتى يؤدي باقي المهر والصداق، وقدره عشرون ألف ريال، قلت له: أليست زوجتك؟ قال: نعم؛ قلت: أوليست تحبك؟ قال: نعم، قلت: وما الذي يمنعك أن تأتي بها إلى مقر عملك هنا؟ قال: ولكن والدها يرفض حتى أكمل هذا المبلغ، ولم أجد إلا من يداينني عشرين ألفًا بستة وثلاثين ألف ريال.
فهل هذا يجوز؟ فوالله ما أجد من نفسي دهشة أو تأسيًا أو حزنًا لشاب يريد إعفاف نفسه، وغض بصره، وإحصان فرجه، وبعد ذلك يقع في صهر كهذا، فبئست هذه المصاهرة، فلم أجد بدًا من أن أوجهه ما أستطيع، ولعل ذلك قد يجديه أو لا يجديه شيئًا ولكن المشكلة هي مشكلة ذلك الأب الذي جعل المرأة والبنت رهنًا حتى يقدم ما بقي من الصداق.
هذه صورة من الصور الاجتماعية الموجودة عندنا.
وإن البعض ليقدم مهرًا ثلاثين ألفًا أو أربعين ألفًا، وبعد ذلك يرد عليه مهره؛ لأن هذا المهر لا يكفي للذهب، ولغرفة النوم، وللعطورات، وللملابس ولغير ذلك، فهل الزواج إلا رحمة وسكن أو مصيبة وشقاء، وهل المهر إلا لهذه البنت وحدها تشتري به ما تشاء وتقتصر على ما تشاء، وليس لأبٍ أن يرد زوجًا لقلة مهره.