الحمد لله الذي ستر القبيح، وأظهر الجميل، الحمد الله الذي جَمَّلنا بستره، وشرَّفنا بذكره.
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: لقد أثنى فضيلة الشيخ -أحسن الله له المثوبة والجزاء فيما قدَّم- وإنه قد ذكر كثيرًا مما لستُ بكفءٍ له؛ ولكن كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: [اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني فوق ما يظنون] بمنِّه وكرمه.
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيرًا وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني
أيها الأحبة في الله: يا أهل ساجر! ويا أهل المدن المحيطة بها! ويا أهل منطقة السر عامة! أحمد الله إليكم أن جمعنا بكم في روضة من رياض الجنة، ووالله لقد أحببناكم في الله قبل أن نراكم، وازددنا لكم حباًَ بعد لقياكم.
وقبل أن أدخل في موضوع هذه المحاضرة: لقد صلينا -كما ذكر فضيلة الشيخ آنفًا- على جنازة رجل أثني عليه خيرًا، ولما سمعتم بشيءٍ من ذكره رفعتم الصوت بالدعاء له، فأسأل الله جلَّ وعَلا أن يجعلنا وإياكم ممن يُثنى عليه بعد موته خيرًا.
المرء يفرح بالحياة وطول عيش قد يضرُّه
تفنى بشاشتُه ويبقى بعد حلو العيش مرُّه
وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئًا يسرُّه
كم شامتٍ بي إذْ هلكتُ وقائل لله درُّه
أيها الأحبة في الله: والله لقد غبطتُ صاحب الجنازة لما سألتُ أخي/ (مطلق) عنه، فقال: إنه من أهل هذه المنطقة، ومن كبار السن، فهنيئًا له، وأسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجمعنا به في بحبوحة جنته.
أيها الإخوة: من منكم يجد ضمانًا أن يُمتَّع بقية عمره على الإسلام ما غيَّر ولا بدَّل؛ لكنكم صليتم على جنازة واحد من إخوانكم أو من آبائكم، هنيئًا له مات على التوحيد، ونحن وإياكم على خطر مواجهة هذه المغريات، وهذه المفسدات، وهذه الملهيات، التي لا يزال كثير من شبابنا وأبنائنا وبناتنا على خطر من الوقوع في مغبة آثامها وشرورها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيها الأحبة: ما من مشهد إلا والقبر أفظع منه، وما من مصيبة إلا والموت أعلى المصائب فيها:
يا نائم الليل مسرورًا بأوله إن الحوادث قد يطرُقْنَ أسحارا
تزوَّد من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ!
فكم من عروس زيَّنوها لزوجها وقد نُسجت أكفانها وهي لا تدري!
وكم من صغار يُرتجى طول عمرهمُ وقد أدخلت أجسادُهم ظلمة القبرِ!
وقول الله أبلغ حيث قال جل وعلا: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الزمر:42] .
وقول الله أبلغ حيث قال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] .
وقول الله أبلغ! {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30] .
واللهِ -أيها الأحبة- ليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ يُصلى علينا كما صلينا على هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ نغسَّل كما غُسلت هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم تُخلع منا ثيابنا وقد لبسناها بأيدينا.
واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نُحمل على أكتاف الرجال، وقد كنا نحمل الجنائز على أكتافنا.
واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نوضَع فيه في القبر، ويُحكم علينا اللحد، ويُسد باللبِن، ويُهال علينا التراب فأين الملجأ وأين المنجى؟! وأين المعين وأين النصير؟! إلا الله جلَّ وعَلا.
فيا عباد الله: الرجوع الرجوع إلى الله، والتوبة التوبة قبل أن نوضع في ظلمة اللحود، وتُحكم السدود، ويُهال التراب، ونفارق الأحباب، ولا نجد أحدًا من الأصحاب أبدًا.
يا شابًا ما زال يستمع الغناء في لهوه! يا رجلًا ما زال منشغلًا بالربا والحرام! يا رجلًا ما زال مغرقًا في قطيعة رحمه، وعقوق والدَيه! يا رجلًا منتهكًا لحرمات الله، متعديًا على أسرار البيوت، ومنتهكًا لحرماتها وأستارها! اتق الله قبل أن يأتي هذا اليوم الذي لا منجى فيه ولا ملجأ من الله إلا إليه.
يا غافلًا عن العملْ وغرَّه طول الأملْ
الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العملْ
وكم من أناس قد رأينا نعيمهم كم من أناس رأينا عبثهم ولهوهم وتبجحهم وعنادهم، وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليسمعوا قوله، وليهتدوا بهديه، وليستنوا بسنته رأيت بعضهم يصد عنك صدودًا، فإذا انصرفت عن بعضهم قال بعضهم لبعضٍ: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد:16] ؟! أيها الأحبة في الله: واللهِ إن هذا المصير الذي سنواجهه لن ينفعنا فيه أب حبيب، ولا صديق ولا قريب، ولا محب ولا لبيب، ولن يغني في دفع الموت صيدلي أو طبيب، ولا يدفع عنك الألم إلا رحمة رب السماوات والأرض، ولا يدفع عنك النقم إلا من سجدتَ له، وخضعت له، وتبت لوجهه، وتركت المعصية خوفًا من عذابه وطمعًا في ثوابه.
والآن أنت بالخيار، المهلة بين يديك، أنت لا تزال في زمن المهلة، فإن شئت فانبذ ما عندك من أشرطة اللهو، ومجلات الفساد، وصُحبة السوء، وما زُيِّن لك وزُخرف من المعاصي والملاهي، وإن شئت فامضِ على ما أنت عليه، وقريبًا قريبًا: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج:6 - 7] قريبًا قريبًا يمر بالإنسان ما كان يخشاه.
اسألوا أهل السبعين سنة: كيف ينظر إلى ما مضى من عمره؟ كأنها ليلة ماضية.
اسألوا أهل الخمسين عامًا: كيف ينظرون ما مضى من عمرهم؟ كأنها ساعة من نهار.
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ
ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
أين نمرود وكنعان ومن عَمَرَ الدنيا وولَّى وعزلْ
أتى على الكل أمر لا مردَّ له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصانُ فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسانُ
لا تغرنكم المزارع ولا تغرنكم الصوامع ولا تغرنكم البِيَع ولا تغرنكم الضِّياع ولا تغرنكم الأنهار ولا يغرنكم هذا كله، قريبًا يُنقل الناس من القصور إلى القبور، ومن النور إلى الظلمة، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن الجليس إلى دار ليس بها أنيس.
فاعتبروا! الآن الجنازة تُدفن! الآن الجنازة يُحكم عليها اللبِن! الآن الجنازة توضع في اللحد! وسيأتي عليك يوم يتهلهل التراب على وجهك، وأنت في وسط اللحد وظلمته، وفي وسط القبر وكربته, وفي هول المطلع وشدته.
هاه من الذي يبيت معك في القبر ليلة؟! أين أعز صديق؟!