إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهو الذي يقول في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71] .
معاشر المؤمنين: لا شك أن حق الوالدين عظيم بتعظيم الله له، حيث قرن طاعتهما بطاعته، وثنى بالشكر لهما بعد الشكر له، وحسبكم أن عصيانهما من الكبائر التي تودي بصاحبها إلى النار والهلاك إن لم يتب من العقوق والقطيعة.
معاشر الإخوة: كثيرًا ما سمعنا عما وقع فيه بعض المسلمين عامة، وبعض الشباب خاصة الذين عقوا والديهم، وقدموا طاعة الزوجات على الأمهات، وجعلوا حوائج الوالدين بعد الفراغ من حاجات الزوجات والأصدقاء، فترى الرجل له الولدان أو الثلاثة يقف على قارعة الطريق صباحًا أو مساءً ينتظر محتسبًا يوصله أو يقربه على طريقه، وأولاده مع أصدقائهم أو على فرشهم لم يرد الواحد منهم أن يقطع لذيذ نومه أو طويل غفلته لأجل والديه، وكثيرًا ما نرى المرأة الكبيرة تلتمس من جيرانها ومن حولها مساعدةً في الوصول إلى المستشفى، أو منزلٍ قريبٍ، أو بيت ذي رحم وأولادها في المنزل يتشاكسون، وكلٌ يعتذر عن الذهاب لقضاء حاجة أمه، فيا للحسرة والأسف من شاب بذل فيه والده الجهد الجهيد، ونهاية الأمر لا ينفعه في أدنى حوائجه! فاحذروا معاشر المسلمين، واحذروا معاشر الشباب عقوق الوالدين، فإن ذلك سببٌ للشقاء في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة، في الحديث الذي يرويه النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة) وروى الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة حقٌ على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حقٍ، والعاق لوالديه) فإياكم والعقوق! والزموا البر والصلة، واعلموا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظوا على هذا الباب إن شئتم أو دعوا، جاء في الحديث عن ابن عباس: (ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح الله له بابين من الجنة وإن كان واحدٌ فواحدًا، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه والده، قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه) .