الحمد لله، الحمد لله الواحد المتفرد في الكمال والجمال والجلال، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذًا بالله من ذلك.
عباد الله! إن دين الإسلام إذا حرم شيئًا سد جميع الطرق المؤدية إليه، وحرم كل ما يفضي إليه من وسائل ومقدمات، وكل ما كان من شأنه أن يستثير الغريزة الهاجعة، ويفتح منافذ الفتنة على الرجال والنساء، أو يغري بالفاحشة، أو يقرب منها، أو ييسر سبيلها، فإن الإسلام حرمه ونهى عنه سدًا للذريعة، ودرءًا للمفسدة، ومن ذلك أن الإسلام حرم خلو الرجال بالنساء، حرم خلو الرجل بالمرأة الأجنبية، وهي التي لا تكون زوجةً له ولا إحدى قريباته اللاتي يحرم عليه زواجهن حرمةً مؤبدةً، ليس هذا فقدًا للثقة فيهما أو في أحدهما، لكنه تحصينٌ لهما من وساوس الشيطان، وهواجس الشر، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأةٍ ليس معها ذو محرم، فإن ثالثهما الشيطان) هل يسمع هذا من يسمح لأخته منفردةً تذهب مع السائق؟ هل يسمع هذا من يسمح لزوجته تذهب مع السائق لوحدها إلى السوق؟ هل يسمع هذا من يسمح لابنته أن تخرج مع السائق في أي وقت شاءت؟ عباد الله! يحذر النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا خاصًا من خلو المرأة بالحمو حتى ولو كان قريبًا، والحمو هو: قريب الزوج، كأخيه وابن عمه، لما يحدث عادة من تساهل في ذلك بين الأقارب، وقد يجر أحيانًا إلى عواقب وخيمة، لأن الخلوة بالقريب أشد خطرًا من غيره، لتمكنه من الدخول على المرأة في البيت من غير نكيرٍ بخلاف الأجنبي، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء! فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) فهل نسمع هذا يا عباد الله؟ إن مما يؤسف له أن أسرًا عريقةً، ومجتمعاتٍ في قلب هذه المملكة الطيبة قد تساهلوا بهذا الأمر تساهلًا عجيبًا، فترى الواحد منهم يدخل البيت في حال غيبة الرجل، سواءً كان الرجل في متجره، أو في وظيفته، فيأتي الضيف، فتستقبله المرأة، وتقدم له الطعام والشراب، وتجالسه وتوانسه وتؤاكله، ليس هذا بشهامة، وليس هذا بكرامة، وليس هذا بنخوة ولا بنجدة، إن الله أغير، وإن نبينا أغير، فلا تظنوا -يا عباد الله- أن بعض الناس حينما يقول: إن نساءنا بإكرامهن الضيف فذلك من الشهامة، ونحن أيضًا على غيرة في محارمنا، لا والله، إن الغيرة كل الغيرة أن نمتثل قول الله جل وعلا، وأن نمتثل قول نبينا صلى الله عليه وسلم، بعض الأسر يتهاونون في جلوس زوجات الإخوان بعضهم مع بعض، ويحتج بعضهم أن هذا يفضي إلى الحاجة إلى تقسيم مائدة الطعام والإفطار والعشاء وليكن الأمر كذلك، ما الذي يضير أن يتغدى أو يتعشى النساء في مكان والرجال في غرفةٍ أو في مكانٍ آخر؟ أيهما أولى: أن يكون هذا، أو أن يكون الأمر المحذور والخطر الشديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فانتبهوا لذلك يا عباد الله! وإن مما حرمه الإسلام سدًا لجريمة الزنا أن الإسلام حرم النظرة، حرم إطالة النظر من الرجل إلى المرأة، ومن المرأة إلى الرجل بشهوة، فإن العين مفتاح القلب، والنظر رسول الفتنة، وبريد الزنا، وقديمًا قال الشاعر:
كل الحوادث مبدؤها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها في أعين الغيد موقوفٌ على الخطرِ
يسرُّ مقلته ما ضرَّ مهجته لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضررِ
وحديثًا قيل:
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامُ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواءُ
ولهذا وجه الله سبحانه وتعالى أمره إلى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر مقترنًا بأمره بحفظ الفروج، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:30 - 31] فأمر الله الرجال والنساء جميعًا بغض الأبصار، وحفظ الفروج، ويلاحظ أن الآيات أمرت بالغض من البصر، لا بغض البصر، ولم تقل: ويحفظوا من فروجهم كما جاء فيها: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30] لأن الفرج مأمورٌ بحفظه جملة دون التساهل بشيء منه، أما البصر، فقد تجاوز الله للناس بشيءٍ منه رفعًا للحرج، ورعايةً للمصلحة، وذلك محصورٌ بنظرة الفجأة، فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين، وإنما معناه: عدم إرساله طليق العنان يلتهم الغاديات والرائحات، والغادين والرائحين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا علي بن أبي طالب لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة) وليس معنى هذا أنه يسمح للإنسان بأول نظرة، وإنما المسموح له نظرة الفجأة غير المقصودة، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، قال: (اصرف بصرك) وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (العينان تزنيان وزناهما النظر) إن النظر المتلذذ الجائع ليس خطرًا على عفة الرجل فحسب، بل هو خطرٌ على استقرار فكره وطمأنينة قلبه كالذي يصاب بالشرود والاضطراب حال إطلاق نظراته، ولقد أحسن من قال:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابر