ب إنّ القرآن أخرج أوامره ونواهيه مخرج الاستفهام أو الإخبار أحيانا كثيرة تلطّفا وتأنيسا، وقد كان المقرّبون والمؤمنون يدركون التوضيحات والتلميحات والتلويحات فيطيعون ويستجيبون. وقد كان البعيد أو الذي في قلبه مرض يتجافى عقله عن الفهم فيستمرّ في سلوكه، أو يسأل فتأتي آيات أخرى فيها مزيد إيضاح حتى ترفع كل شبهة وتقطع كل ذريعة.
ج إنّ كثيرا من التعابير العربيّة، وتبعا لذلك الآيات القرآنية، يحكمها مبدأ الترابط، ومعناه أنّ بعض الكلمات ترتبط بأخرى أو تدعوها، وهكذا فإنّه غالبا ما تأتي الصلاة مقرونة بالزكاة، والفحشاء بالمنكر ولكن أن تذكر الصلاة إلى جانب الخمر فشيء لا يقبله العرف اللغوي، فالصلاة يدعو حقلها الدلالي مجموعة من الألفاظ ويرفض أخرى، ومن ثمّ فإنّ ممارستها أثناء السكر تعني عملا غير مقبول أي محرّما.
وأما الآيات التي تتخذ كلية ليجعل ما جاء بعدها بيانا أو تكميلا أو تفصيلا أو تخصيصا أو تقييدا فإنّها الآيات التي تواترت الأخبار في سبق نزولها، فإنّها تتّخذ أصلا، وما عضّده المساق الوارد فيه أي ينظر إلى علاقته بما قبله وما بعده من آيات إذ إنّه إذا بتر من سياقه يفقد خصوصيّته، ويصبح قابلا لأن يمنح أيّة دلالة، وإذا وردت أخبار في سبب النزول، ولكنّها ليست متواترة، أو لم تتوافر فيها شروط الحديث الصحيح، فإنّه يجب تحليل الآية، أو الآيات في ضوء مساقها تحليلا دقيقا كل على حدة، ثمّ تجميعها حتى تصير مكوّنة لموضوع قائم الذات، ثمّ يقارن بين دلالة كل منها حتى يتبيّن كليّها من جزئيّها مع الاسترشاد ببعض القواعد الأصوليّة، من مثل: حمل المطلق على المقيّد، والعامّ على الخاص. وأمّا عن إشكال مبدأ تأخير البيان عن وقت الحاجة فيرى أنّه لا يجوز، وأمّا تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند أهل الأصول [1] . وهذا الرأي منطلقه أن نأخذ بعين الاعتبار
(1) انظر: الغزالي، المستصفى، ص 388.