ب العلاقات المهيمنة: ومن أبرزها بيان المجمل وتخصيص العموم، وتقييد المطلق، وتفصيل ما لم يفصّل، وتكميل ما لم يظهر تكميله. ويختزل د. مفتاح هذه العلاقات إلى مفهومين: الأوّل: التنمية، أي تنمية قضيّة كليّة أو فكرة ما
بتقليبها في صور مختلفة، إن على مستوى الخطاب القرآني جميعه أو على مستوى آيات متتابعة تحتلّ فضاء واحدا، وإنّ اختلاف هيئات المخاطبين والأوقات والأمكنة كانت سببا في هذا التنويع. والثاني: النقص (تخصيص العموم وتقييد المطلق) وفي هذه الحالة تأتي آية أو آيات مزيلة لبعض الأوصاف، وهذا النوع غالبا ما يصيب الآيات المدنية وحدها. وبهذه الأدوات جميعا نستبعد من الخطاب القرآني علاقة التناقض عبر الناسخ والمنسوخ (بمعنى الإزالة والإبطال) إذ هو مجرد دعوى قائمة على أوهام لغويّة وأيديولوجيّة أغرت كثيرا ممّن ألّف في الموضوع من القدماء والمعاصرين معتبرين فيه تدرّجا للتشريع ومراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، فالأسلم لهؤلاء أن يقولوا بالبيان والتفصيل والتكميل والتخصيص.
وإنّ النتائج النظريّة والمنهاجيّة والعمليّة التي نتوصّل إليها بهذا الموقف، تجعلنا نحصل على نظريّة منسجمة واحدة وشاملة لعموم أنواع الخطاب القرآني الهادفة جميعها إلى تبليغ الرسالة مع مراعاة أحوال المخاطبين الذين هم أنواع عديدة: منهم الخلّ الحميم للمبلّغ، ومنهم العارف المتنوّر، ومنهم الأعرابي والبادي، مع اعتبار مقتضيات الأحوال.
وهذا لا يناقض القول بالتدرّج مع اختلاف المنطلقات، وذلك على النحو التالي:
أإنّ المخاطبين بالقرآن لم يكونوا على مستوى واحد من الفهم والإدراك، ولم يكونوا على درجة واحدة. في اتّصالهم بصاحب الرسالة. وعلى هذا فلا يعقل أن يتساوى إدراك أقرب الصحابة إلى الرسول مع الأعراب الوافدين عليه من مناطق نائية فالمقرّبون يفهمون مضمون الرسالة ومغزاها بالإيحاء والتلميح دون ذكر التفاصيل وضرب الأمثلة إذ أطرهم المعرفيّة مشتركة، ومن ثمّ كانت تغني الإشارة عن العبارة. وأمّا من كانوا أبعد ثقافيّا وحضاريّا فإنّهم كانوا محتاجين إلى الإطناب.