فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 509

ما عدا البيع من الأعمال والأقوال، وكلّ شاغل عن السعي لفهم العلّة) [1] . فانظر كيف خرج الغزالي من السّياق اللّغوي إلى السّياق المقامي ليستطيع استخراج دلالة النص فقرأ عادات الناس يوم الجمعة، وهو من صلب اللّسانيّات الاجتماعيّة في العصر الحديث، ليستطيع تفسير مجيء البيع داخل آيات الصلاة، ثمّ كيف يمكن أن يخرج من هذا التخصيص إلى عموم الدلالة (أي كلّ أمر يعوق عن العبادة مثل البيع) وما كان يمكن التعميم من غير قراءة السياق الخارجي أبدا.

وفي موضع آخر يؤكّد الغزالي دور القرائن الحاليّة في تحقيق التواصل الذي عبّر عنه بالإفادة حينا، وبالبيان حينا آخر يقول: = اعلم أنّ كلّ مفيد من كلام الشارع، وفعله وسكوته، واستبشاره، حيث يكون دليلا، وتنبيها بفحوى الكلام على علّة الحكم، كلّ ذلك بيان، وهو من حيث إنّه يفيد العلم بوجوب العمل دليل قطعا وبيان وهو كالنصّ = [2] .

ولا يسوّغ لدى الغزالي تأويل نصّ الخطاب دون الاتّكاء على مثل هاتيك القرائن، وكلّ تأويل مفتقر إليها يجب ردّه وإن كان محتملا، لأنّ القرائن الأخرى قد تدلّ على فساد ذلك التأويل ودفعه، ونصّ الغزالي سابق جدّا في أهميّة ما يسمّيه علماء الدلالة اليوم بالقوّة اللاكلاميّة، وتشمل الإشارات، وقسمات الوجه، وحركات اليدين وغيرها، وهي ركن أساس في الحدث الكلامي كما يذهب جون لاينز [3] . ولا يقال إنّ هذه القرائن تابعة للفظ، لأنّه لا أحد يسلّم أنّ حركة المتكلّم وأخلاقه وعاداته وأفعاله، وتغيّر لونه، وتقطيب وجهه وجبينه، وحركة رأسه، وتقليب عينيه تابع للفظه، بل هذه أدلّة مستقلّة يفيد اقتران جملة منها علوما ضرورية = مثل فعل المتكلّم فإنّه إذا قال عن المائدة: هات الماء، فهم أنّه يريد الماء العذب البارد دون الحارّ المالح = [4] .

(1) شفاء الغليل، ص: 51.

(2) المستصفى، الغزالي، ص: 60.

(3) جون لاينز، اللغة والمعنى والسياق، ص: 271.

(4) المستصفى، 2/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت