فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 509

الرحمن) [1] . وأمّا قرائن الأحوال (السياق الحالي) فهذه عند الغزالي كثيرة فمنها الإشارات، والرموز، والحركات، والسوابق، واللواحق، وهي = لا تدخل تحت الحصر والتخمين، يختصّ بدركها المشاهد لها، فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة، أو مع قرائن من ذلك الجنس، أو من جنس آخر حتى توجب علما ضروريّا لفهم المراد أو توجب ظنا، وكل ما ليس له عبارة موصوفة في اللّغة فتتعيّن فيه القرائن = [2] .

(فالخمسة) مثلا نصّ في معناه (بمصطلح الأصوليّين) لا يحتمل الستّة ولا الأربعة، أمّا غير النصّ، فالقرائن فيه لها الدور الأساس، ويتجاوز معناه دلالة الألفاظ المعجميّة، فما دام المتكلّم يملك من الحريّة ما يكفل له الانتقال باللفظ الخاصّ من الخصوص إلى العموم، وباللّفظ العامّ من العموم إلى الخصوص، وما دامت دلالة الألفاظ ليست كلّها قطعيّة، فإنّ الدلالة المعجميّة للألفاظ تبقى قاصرة عن تحديد المعنى المراد.

ويمثّل الغزالي عمليّا كيفية الاستفادة من السياق بنوعيه: اللّغوي والمقامي، في تحديد المعنى المراد من خلال الآية (9) من سورة الجمعة { (يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذََا نُودِيَ لِلصَّلََاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ََ ذِكْرِ اللََّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) } يقول: = إنّما نزلت وسيقت لمقصد وهو بيان الجمعة، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات، ما يحلّ منها وما يحرم، فالتعرّض للبيع لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، ويصرفه إلى ما ليس مقصودا به، وإنّما يحسن التعرّض للبيع إذا كان متعلّقا بالمقصود، وليس يتعلّق به الأمر إلّا من حيث كونه مانعا للسعي الواجب، وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع، فإنّ وقت الجمعة يوافي الخلق، وهم منغمسون في المعاملات فكان ذلك أمرا مقطوعا به لا يتمارى فيه، فعقل أنّ النهي عنه لكونه مانعا من السعي الواجب فلم يقتض ذلك فسادا، ويتعدّى التحريم إلى

(1) صحيح مسلم، (باب القدر) ، رقم الحديث (356) .

(2) المستصفى، 1/ 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت