الألفاظ فيما وضعت له، وأن يستعملها وفق أساليب اللغة وقوانينها المعروفة للسامع والمتكلّم، إذ في ظلّها يتمّ التواصل وهنا يكون للعناصر السياقيّة والمقاميّة دورها الواضح.
ويقول الشافعي في إشارة واضحة إلى تآلف السياق اللّغوي في صنع الدلالة:
= إنّ بعض الكلام يبين أوّل ألفاظه عن آخره، وقد يبتدئ، ويكون آخر ألفاظه مبينا عن أوّله =. [1] ويؤكّد ابن حزم أهميّة السياق في الاستدلال بالنصّ يقول: = والحديث والقرآن كله كلفظة واحدة فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر، بل يضمّ كلّ ذلك بعضه إلى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتّباع من بعض، ومن فعل غير هذا فقد تحكّم بلا دليل = [2] . وهاتان الإشارتان واضحتان في أهميّة تآلف الخطاب جملة في صياغة الأحكام واستنباطها، وهو تآلف السياق اللّغوي للخطاب.
وأما السياق المقامي أو القرائن بأنواعها فقد ذكرها الأصوليّون بوضوح، وأشاروا إلى أهميّتها وطرق الاستدلال عن طريقها، ولعلّ أبرز الأصوليّين تنبّها لهذه القضيّة وتوضيحا لها (الغزالي) ، فهو يشرح خطوات استخراج الدلالة من النصّ بأنّها معرفة اللّغة في أصل وضعها إن كان الكلام (نصّا) لا يحتمل التأويل، وإن تطرّق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلّا بانضمام قرينة إلى اللفظ وجب التعرّف إلى تلك القرينة. والقرينة عنده إمّا لفظ مكشوف أو إحالة على دليل العقل، وإمّا علامات هادية من خلال سياق الحال. ويضرب مثلا على السياق اللّفظي قوله تعالى: { (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ) } [3] ، والحقّ (العشر) . وأمّا الإحالة إلى دليل العقل فمثالها { (وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ) } [4] ، وقوله عليه السلام: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع
(1) الشافعي، الرسالة، ص 58.
(2) ابن حزم، الأحكام، ص: 167.
(3) سورة الأنعام، آية (141) .
(4) سورة الزمر، آية (67) .