إنّ النّص يمتلك سطوة من نوع معيّن (فاشية) كما يقول (سعيد) في التعامل مع القارئ، وينقل سعيد هنا قولة لرينان: = إنّ النصوص المقدّسة نزلت إلى العالم، ومن ثمّ فإنّ لغتها وإنّ كان مصدرها الله، لا يمكن أنّ تكون غير قابلة للقراءة الإنسانيّة وكيف يكون ذلك وقوامها هو اللّغة (هذا الشيء الدنيويّ الحقير) ؟ = [1] . ولذلك فإنّ رينان يحاول أنّ يستبدل في قراءة النّص الديني السلطة الإلهيّة بالسلطة النصيّة التي تعتمد على اللّغة وفقه اللّغة. وكما يقول (ميشيل فوكو) : = في كلّ مجتمع يتمّ ضبط إنتاج الخطاب واختياره وتنظيمه وإعادة توزيعه، تبعا لعدد من الخطوات التي يكون دورها تجنّب القوى والأخطار، والتأقلم مع الأحداث الطارئة، وتجنّب ماديّتها المروّعة = إنّ الكتابة طريقة تتنكّر فيها الماديّة في حلّة إنتاج مدبّر ومنظّم، إنّ الخطاب يمثّل الفروقات السياسيّة والعرقيّة والدينيّة، وإنّ الكثير من الاستثناءات والظروف التاريخيّة والإيديولوجيّة والرسميّة تضع النّص في الواقع، حتّى وإنّ اعتبر النّص أداة مطبوعة صامتة لها ألحانها غير المسموعة [2] .
= ثمّ يعود (سعيد) ليسأل: أين الناقد والنقد في كلّ هذا؟ إنّ الشكل التقليدي الذي يعبّر النقد فيه عن نفسه هو المقالة، وهذا يجعل الأسئلة تتوالى تترى حول هذه المقالة، ما علاقة النّص بها؟ وما غرضها؟ هل هو التعرّف على نصّ مختار؟ وهل تقف المقالة بين النّص والقارئ، أم تقف إلى جانب أحدهما؟ وهل المقالة نصّ أم تداخل بين النصوص؟ أم هي تكثيف للفكرة النصيّة؟ وبعد أن يستقري سعيد آراء عدد كبير من النقّاد مثل (لوكاش) و (دريدا) وغيرهم، يرى أنّ النقد يعالج العمل الأدبي كنقطة بداية لإبداع جديد، والناقد يعدّ مسئولا إلى حدّ ما، عن توضيح تلك الأصوات التي تسيطر عليها أو تزيحها أو تسكتها نصيّة النصوص. إنّ النصوص نظام من القوى التي قامت بمؤسستها الثقافة السائدة على حساب الإنسان إلى عناصرها المختلفة، والنقد دنيويّ، ويقع في العالم، وهذا مفهوم
(1) النص والنقد والعالم، ص: 31.
(2) نفسه، ص: 43.