بسياقه الدنيويّ يتعلّق به، ولأنّ القرآن الكريم هو نصّ، يضمّ الحديث (الخطاب المباشر) والكتابة والقراءة والإخبار، فإنّ تفسير الظاهريّة بحدّ ذاته لا يأخذ الفصل بين التكلّم والكتابة أو النّص وظرفيّته مسلما به، ولكنّه يعترف بتداخلهما وتفاعلهما معا. إنّ الظاهريّة بهذا تمثّل فرضيّة مفصّلة عن كيفيّة التعامل مع النّص كصيغة هامّة تجتمع فيها الدنيويّة والظرفيّة، وحالة النصّ كحدث له خصوصيّة حسيّة، واحتمال تاريخي مندمجة معا، ويكون النصّ في هذه الحالة ناقلا للمعنى ومنتجا له، وهذا يعنى أنّ النصّ له حالة محدّدة تفرض قيودا على المفسّر.
ثمّ يناقش (سعيد) بعد هذا بعض الطرق التي تفرض بها النصوص قيودا على تفسيرها، أو بصورة أخرى الطرق التي تقارب بين جسم النصّ وجسم العالم، ممّا يفرض على القرّاء أخذ كليهما بعين الاعتبار. ويستمدّ سعيد هذه الطرق أو الآليّات من خلال أعمال ثلاثة أعلام من الأدب الغربي وهم (جرارد مانلي هوبكنز) ، و (أوسكار وايلد) ، و (وجوزيف كونراد) ، ويستنبط من خلالها أنّ النصوص تعكس ظروفها الواضحة، وأنّ الكاتب يستجيب لما يصف في الطبيعة، وإنّ القارئ عنصر مشارك فاعل في إنتاج المعنى فالقراءة إخبار، والطبيعة إخبار، وإنّ النّص يمتلك الكثير من الحقيقة الظرفيّة، إنّ النصّ يحتضن العالم. كما أنّ طريقة تقديم القصّة كما هو الحال عند (كونراد) تجسّد وتخلق ظروف السرد ومناسبته، إنّ اللقاء ليس بين الإنسان وقدره مجسّدا في لحظة، ولكنّه دوما اللقاء بين المتحدث والسامع. إنّ التراث الروائي الغربي مليء بالأمثلة على نصوص تتشبّث ليس فقط بواقعها الظرفي، وإنّما أيضا بكونها تحقّق دورا أو مرجعيّة أو معنى في العالم. إنّ (الحديث) أو الخطاب هو المجس الذي بواسطته تربط النصوص الصامتة نفسها بعالم الخطاب، وهو ما يعنى أنّ الظرفية تكثّف التبادل مع المتحدّث بمواجهة السامع بطرقها الخاصّة. إنّ النّص، وإنّ كان يبدو وكأنّه يفتح نفسه ديموقراطيّا لأيّ شخص يمكن أن يقرأه، فإنّه يمتلك آليّات خاصّة يحاول من خلالها إخضاع القارئ له، ليصرفه بعيدا عن العالم.