وقابلة للتجدّد مع تغيّر آفاق القراءة المرتهن بتطوّر الواقع اللّغوي والثقافي [1] . ويدافع أبو زيد عن منهجه من حيث توهّم حدوث تعارض وتضاد بين الإلهي والإنساني في النصّ الديني إذا أخضع لهذا المنهج، فيقول بأنّ النصوص الدينيّة نصوص بشريّة بحكم انتمائها للّغة والثقافة في فترة تاريخيّة محدّدة هي فترة تشكّلها وإنتاجها فهي بالضرورة نصوص تاريخيّة، ومن هذه الزاوية تمثّل اللّغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل، وتدخل في مرجعيّة التفسير والتأويل تلك كلّ علوم القرآن، وهي علوم نقليّة تتضمّن كثيرا من الحقائق المرتبطة بالنصوص بعد إخضاعها لأدوات الفحص والتوثيق [2] .
وفي كتابه (مفهوم النّص) يطبّق أبو زيد هذا المنهج، فيتناول علوم القرآن بالتحليل والفحص والتوثيق ليدلّل بها على صحّة منهجيّته في التعامل مع النّص القرآني.
ويعيد التأكيد فيه على أنّ النّص منتج ثقافي والمقصود بذلك أنّه تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما. كما أنّ القرآن يصف نفسه بأنّه رسالة، والرسالة تمثّل علاقة اتّصال بين مرسل ومستقبل من خلال شيفرة أو نظام لغوي. وهو في الوقت نفسه منتج للثقافة، حيث كوّن حضارة لها شخصيّتها وهويّتها الواضحة في تاريخ الحياة. إنّ اللّغة هي مدخل الدراسة لهذا النصّ، وهذه اللّغة تعيد تقديم العالم بشكل رمزي، إنّها وسيط من خلاله يتحوّل العالم الماديّ والأفكار الذهنيّة إلى رموز، والنصوص اللغويّة ليست إلّا طرائق لتمثيل الواقع والكشف عنه بفعاليّة خاصّة. وهي كذلك رسالة لها وظيفتها الاتّصالية التي تقوم على مرسل ومخاطب. ومن ثمّ يعرض أبو زيد في الباب الأول من كتابه وهو تحت عنوان (النصّ في الثقافة / التشكّل والتشكيل) مفهوم الوحي، والمتلقّي الأوّل للنصّ، والمكّي، والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ. وأمّا في الباب الثاني وهو بعنوان: (آليات النصّ) فيعرض علاقة النصّ بالنصوص الأخرى في الثقافة من جهة، وآلياته في إنتاج الدلالة من جهة أخرى، ويندرج تحت هذا الباب مسائل: الإعجاز،
(1) نصر حامد أبو زيد، الخطاب الديني: رؤية نقدية، ص: (137136) .
(2) نفسه، ص: (144143) .