فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 509

والمناسبة بين الآيات والسور، والغموض والوضوح، والعامّ والخاصّ، والتفسير والتأويل. وفي الباب الثالث يحاول أبو زيد الكشف عن التحوّل الذي أصاب مفهوم النصّ ووظيفته، والذي صارت له السيادة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة حتّى عصورها الحديثة. مع وقفة خاصّة عند فكر أبي حامد الغزالي ودوره في الكشف عن آليّة التعامل مع الخطاب الديني.

وجملة أفكار هذا الكتاب أنّ الوحي عمليّة اتّصال من الله إلى الرسول عبر الملك ثمّ يتحوّل الرسول عليه السلام بعد ذلك إلى مرسل للمخاطبين (الناس) باعتباره المتلقّي الأوّل للرسالة، وأنّ تصنيف القرآن إلى مكّي ومدني هو ثمرة للتفاعل مع الواقع الحيّ التاريخي، وأنّ التنجيم يتضمّن معنى الواقعيّة والتدرّج بالإنسان، وإنّ استيعاب النصّ للوقائع الجديدة يستند إلى دوال إمّا في بنيته وإمّا في السياق الاجتماعي لخطابه، أي في أسباب النزول وهي، كما يرى أبو زيد، من أهمّ العلوم الكاشفة عن علاقة النصّ بالواقع كما أنّ الناسخ والمنسوخ دليل آخر على جدليّة العلاقة بين الوحي والواقع. وإذا كان انصراف العلماء موجّها إلى البحث عن إعجاز القرآن في تأليفه، فإنّ له إعجاز آخر خارج النّص من حيث تعامله مع الواقع ومعالجته له، وأما إعجازه في داخله فنراه في المناسبة والتأليف والنظم، وآلياته في التعبير عن الثقافة عبر مباحث الغموض والوضوح التي آثارها علماء القرآن، وعبر العموم والخصوص، فهذه هي آليّات النصّ في إنتاج الدلالة، ويتحدّث بعد ذلك عن آليّات التأويل وهي الاستناد إلى اللّغة وإلى أدوات الفقه وكذلك إلى مصلحة المخاطبين باعتبار النّص جاء معبّرا عنها [1] .

وأمّا في (النصّ: السلطة الحقيقيّة) فيذهب أبو زيد إلى أنّ النصّ القرآني نصّ يمتلك كلاما وليس نصّا تنطقه اللّغة وإنّ كان يستمدّ مقدرته القوليّة أساسا من اللّغة.

والمقصود بمقدرته القوليّة مقدرته من حيث هو نصّ موجه للناس في ثقافة معيّنة، وليس المقصود مقدرته من حيث طبيعة المتكلم به سبحانه وتعالى ويؤكّد على تشكّل النّص ضمن

(1) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن، ط 3، المركز الثقافي الملكي، بيروت / 1996.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت