للوهلة الأولى. خاصّة في السّياق اللّغوي الذي ورد فيه. وثانيا يكشف لنا عن أسلوب النصّ القرآني في تغيير سلوكات المخاطبين من خلال شرح طبيعة الواقع الاجتماعي السائد، وكيف تصدّى النصّ لتغييره مع أنّه واقع مستحكم، يأخذ طابع العرف والعادة، بدليل أنّ الرجل حين دخل من قبل الباب تعرّض (للتعيير) وهي رفض اجتماعي لسلوكه فجاء النصّ ليظهر أنّ سلوكه كان أقرب لروح الشرع والإسلام وأقرب للتقوى، والتقوى وتحقيقها هي هدف النصّ، كما أنّ التقوى هي هدف آيات الصيام من قبل، وللتقوى وجوه عديدة نقرؤها من خلال أسباب النزول.
ومن أمثلته كذلك ما ورد في سبب الآية: {= فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ =} [1] . فعن كعب بن عجرة قال: = فيّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال = ادنه فدنوت مرّتين أو ثلاثا، فقال: أيؤذيك هوامك [9] ؟ قال ابن عون:
وأحسبه قال نعم، فأمرني بصيام أو صدقة أو نسك ما تيسّر = [2] . في سبب النزول لهذه الآية استثناء أو تخفيف في الحكم. والواقع الاجتماعي الذي يعرضه هذا السبب يوضح غرض هذا التخفيف.
فهذه الآيات الكريمة تتحدّث عن واقع اجتماعي معيّن وتبغي تغييره في تفاصيله المختلفة، في صيامه، وحجّه، وعباداته، وعاداته، وأفكاره، وتوقّعاته، وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على المناحي المختلفة التي نرى غرض الخطاب ماثلا فيها، ممّا يضيء النصّ إضاءات كثيرة. أمّا عن أثر هذا الهدف في الصياغة اللغوية للنصّ القرآني فمحلّه في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
(1) سورة البقرة، الآية (187) .
(9) الهوام: ما هام في الرأس وانتشر من = قمل = أو نحوه.
(2) الواحدي: أسباب النزول، ص: 26.