فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 509

النزول فارق بين درس علاقات النصّ في صورتها الأخيرة النهائيّة، وبين درس أجزاء النصّ من حيث علاقاتها بالظروف الخارجيّة أو السياق الخارجي لتكوّن النصّ وتشكّله.

إنّه بعبارة أخرى فارق بين البحث عن جماليّات النصّ، وبين البحث عن دلالة النصّ على الوقائع الخارجيّة، ومن هنا نفهم إصرار القدامى على أنّ علم أسباب النزول (علم تاريخي) في حين أنّ علم المناسبة علم أسلوبي، بمعنى أنّه يهتمّ بأساليب الارتباط بين الآيات والسور.

وقد كان العلماء والباحثون القدامى على وعي بإمكان الاعتراض على هذا العلم باعتبار أنّ القرآن نزل في أوقات وأماكن مختلفة، وعلى هذا الاعتراض يجيب أحد مشايخ الزركشي قائلا: = قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريم مناسبة لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة، وفصل الخطاب أنّها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف كالصحف الكريمة على وقف ما في الكتاب المكنون، مرتّبة سوره كلّها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن لو استفتي في أحكام متعدّدة، أو ناظر فيها، أو أملاها لذكر آية كلّ حكم على ما سئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى، ولا كما نزل مفرّقا، بل كما أنزل جملة إلى بيت العزّة، والذي ينبغي في كلّ آية أن يبحث أوّل كلّ شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتّصالها بما قبلها، وما سيقت له = [1] .

ولعلّ السطر الأخير في هذا الاقتباس يوضح المسألة تماما، فعلم المناسبة يبتغي جلاء العلاقة بين النصّ وسياقه الداخلي (الاتّساق الداخلي) من خلال النظر إلى النصّ في تشكّله الأخير (ترتيب التلاوة) بغضّ النظر عن ترتيب النزول علما أنّ لا تعارض أبدا بين الاتّساقين (الداخلي والخارجي) .

والمناسبة بين الآيات والسور تقوم على أساس أنّ النصّ وحدة بنائيّة مترابطة الأجزاء، ومهمّة المفسّر محاولة اكتشاف هذه العلاقات أو المناسبات الرابطة بين الآية والآية

(1) الزركشي، البرهان، 1/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت