فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 509

شبهات الخصوم الخاصّة بهذا الدليل، ولمّا كانت شبهات الخصوم على الدليل الإسلامي تأتي من جانب اليهود، أو من جانب النّصارى فقد كان من الطبيعي أن تسبق سورة البقرة سورة آل عمران بحكم أسبقيّة علاقة الإسلام باليهود من جهة بحكم التجاور المكاني، وبحكم أسبقيّة التوراة للإنجيل من جهة أخرى من الناحية التاريخيّة.

إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم = وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب، ولهذا كانت السور المكّية فيها الدين الذي اتّفق عليه الأنبياء، فخوطب بها جميع الناس. والسور المدنيّة فيها خطاب من أقرّ بالأنبياء من أهل الكتاب فخوطبوا (يا أهل الكتاب) و (يا بني إسرائيل) [1] . وهذا انعكاس واضح للمقام (أو السياق الحالي) داخل النصّ سواء في حجم الموضوعات، أو في أسلوب الخطاب، أو في مناسبة الخطاب لطبيعة المخاطبين، إنّ (الظرف) أو سياق الحال يتبدّى داخل دقائق النصّ، كما أنّ السياق الداخلي للنصّ يسوده الانسجام، والتواؤم. ويشير الإمام الفخر الرازي إلى هذا التناسب حين يقول في مقدّمة تفسيره لسورة البقرة: = ومن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة، وفي بدائع ترتيبها، علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه، وشرف معانيه، فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعلّ الذين قالوا إنّه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك = [2] .

وجدير بالذكر أنّ موضوع التناسب بقي ملاحظات متفرّقة تدور حول مناسبة الآية في السورة الواحدة، أو مناسبة آخر السورة السابقة لبداية السورة اللاحقة، ومن ذلك ما ذكروه حول ابتداء سورة البقرة ب (الم) وانتهائها ب { (وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) } [3] .

وأنّ سورة آل عمران مبدوءة ب (الم) ومنتهية بقوله تعالى: { (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) } [4] ،

(1) الزركشي، البرهان، 1/ 261.

(2) تفسير الرازي، ج 1/ ص 37.

(3) سورة البقرة، الآية (5) .

(4) سورة آل عمران، الآية (200) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت