ومنها كذلك المناسبة بين فواصل الآي والسياق، والأصل في الفاصلة المساواة، وعدّوا خروجها عن ذلك للمناسبة [1] . وتوقف العلماء عند مسألة (مشكلات الفواصل) فذكروا من أمثلتها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {= هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى ََ إِلَى السَّمََاءِ فَسَوََّاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ =} [2] .
وفي آل عمران: {= قُلْ إِنْ تُخْفُوا مََا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللََّهُ وَيَعْلَمُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ وَاللََّهُ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ =} [3] . فإنّ المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم، والجواب = أنّ آية البقرة لمّا تضمّنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليّا وجزئيّا، مجملا ومفصّلا يناسب ختمها بصفة العلم، وآية آل عمران لمّا كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم منها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب، ناسب ختمها بصفة القدرة = [4] . وفي هذا التنبّه إلى علاقة الفاصلة بالغرض الذي سيقت له الآية وموضوعها، ربط دقيق بعلاقة عناصر السياق المختلفة بصياغة النصّ. وينقل صاحب الإتقان عن أحد المفسّرين أنّ المحافظة على الفواصل ليست مسألة شكليّة، ولا تتمّ على حساب إهمال المعاني، بل = إنّ ذلك متعلّق بحسن النظم والالتئام، ومن ذلك أنّ التقديم في { (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) } [5] ليس لمجرّد الفاصلة بل لرعاية الاختصاص = [6] .
(1) الإتقان، 2/ 209.
(2) سورة البقرة، الآية (29) .
(3) سورة آل عمران، الآية (29) .
(4) السيوطي، الإتقان 2/ 223.
(5) سورة البقرة، الآية (4) .
(6) السيوطي، الإتقان 2/ 226.