مقصد الخطاب في توجيه القراءة أيضا قوله تعالى: {= وَانْظُرْ إِلى ََ حِمََارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْمًا فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ قََالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ =} [1] . = يقرأ (أعلم) بقطع الألف والرفع، وبوصلها والوقف فالحجّة لمن قطع أنّه جعله من إخبار المتكلّم عن نفسه، والحجّة لمن وصل أنّه جعله من أمر الله تعالى للمخاطب = [2] . وإذن فتوجيه الخطاب تتداخل فيه عوامل عديدة ومنها استحضار المخاطب، أو المخاطب، أو طبيعة الخطاب، أو مقصد الخطاب، أو السياق المقامي المحيط بذلك الخطاب.
نخلص من هذا المبحث إلى أنّ علماء القرآن قد تتبعوا العلاقة بين النص والسياق في سورة البقرة في صورتيها: الاتساق المقامي، والاتساق الداخلي فدرسوا في السياق المقامي: ظروف تنزيل سورة البقرة مكانا وزمانا وأسباب نزول ومخاطبين، كما أبانوا عن أثر هذه الظروف داخل سورة البقرة، ودرسوا في هذا الشأن كذلك مسألة النسخ، والآيات المنسوخة في السورة الكريمة، وكان توجيههم في القول بالنسخ أو عدمه محكوما في الغالب بظروف السياق المقامي للنص، وأما فيما يتعلق بالسياق الداخلي فدرسوا التناسب بين آيات سورة البقرة وفاتحتها وخاتمتها وترابط آياتها، كما درسوا السياق اللغوي في النص وعلاقته بالمقام، ونظروا في مفردات السورة، وشرحوا غريبها بالاستعانة بالسياق.
وأظهر علماء القراءات دور السياق في توجيه قراءات هذه السورة الكريمة من خلال مراعاة العرف اللغوي، والسياق الصوتي، ومقصد الخطاب، والمشاكلة بين الألفاظ، واستحضار السياق المقامي للنص الكريم.
(1) سورة البقرة، الآية (259) .
(2) ابن خالويه، الحجة في القراءات، ص 9.