ومن العناصر السياقية التي يوليها دارسو القراءات أهمية بالغة = مقصد الخطاب = فالخطاب يتشكّل بحسب مقصد واضع النصّ، والهدف المقصود من أيّ خطاب يتحقّق إذا توافرت الآليّات اللّغويّة المناسبة لإيصاله إلى المخاطب. ومن ذلك قوله تعالى: = أو ننسأها = = فإنّه يقرأ بفتح النون والهمز، وبضمّها وترك الهمز، فالحجّة لمن فتح النون وهمز أنّه جعله من التأخير أو من الزيادة ومنه قولهم: (نسأ الله أجلك، وأنسأ في أجلك، والحجّة لمن ضمّ وترك الهمز، أنّه أراد الترك، يريد أو نتركها فلا ننسخها، وقوله {= نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا =} قيل:
بأخفّ منها في العبادة، وقيل: نبدل آية العذاب بآية رحمة، فذلك خير، وقيل: بل بأشدّ منها لأنّه تخويف من الله لعباده، وترغيب فيما عنده وذلك خير، فإن قيل: ما معنى قوله:
= أو مثلها = فقل: المماثلة، موافقة الشيء من وجه من الوجوه، ولو ماثله من جميع وجوهه لكان هو، ولم يكن له مثلا، والمعنى هنا أنّها قرآن مثلها، وهي في المعنى غيرها، لأنّ هذه آية رحمة، وهذه آية عذاب = [1] . فاختلاف مقصد الخطاب ما بين الرحمة والعذاب جعل القراءة تختلف وهذا ما التمسه دارسو هذه القراءات.
ومن أمثلته كذلك اختلافهم في قراءة الآية (119) من سورة البقرة {= وَلََا تُسْئَلُ =}
ما بين رفع وجزم وتوجيه الآية يتمّ بحسب مقصد الخطاب، فمن جعل مقصد الآية الإخبار فقد رفع، ومن جعل المقصد النهي فقد جزم، وفي قراءة الآية (125) من سورة البقرة {= وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى =} تقرأ بكسر الخاء وفتحها، فمن كسر فقد اعتبر أنّ مقصد الخطاب هو الأمر، ومن فتح اعتبر أنّ المقصد هو الإخبار = أخبر الله عنهم بذلك بعد أن فعلوه = [2] .
وكذا في توجيه قراءة الآية {= وَتَصْرِيفِ الرِّيََاحِ =} فقد قرئت بالإفراد والجمع، فمن جمعها ففي سياق الرحمة، ومن أفردها فقد جعلها في سياق العذاب، ومن أمثلة تحكّم
(1) ابن خالويه، الحجة في القراءات، ص 87.
(2) نفسه، ص 87.