وتخريجا للمحال إليه بالضمير المستتر في الفعل (ليحكم) في قوله تعالى: {= كََانَ النََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اللََّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النََّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ =} [1] . قال الرازي: = فاعلم أنّ قوله (ليحكم) فعل لا بد من استناده إلى شيء تقدم ذكره، وقد تقدّم ذكر أمور ثلاثة فأقربها إلى هذا اللفظ (الكتاب) ، ثمّ (النبيّون) ، ثمّ (الله) فلا جرم إن كان إضمار كلّ واحد منها صحيحا فيكون المعنى: ليحكم الله أو النبيّ المنزل، أو الكتاب ثم إنّ كل واحد من هذه الاحتمالات يختصّ بوجه ترجيح، أمّا الكتاب فلأنّه أقرب المذكوران، وأمّا الله فلأنّه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب، وأمّا النبيّ فهو المظهر، فلا يبعد أن يقال: حمله على الكتاب أولى، وأقصى ما في الباب أن يقال: الحاكم هو الله، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلّا أن تقول هذا المجاز يحسن تحمّله لوجهين: أحدهما أنّه مجاز مشهور، يقال حكم الكتاب بكذا، وقضى كتاب الله بكذا، وإذا جاز أن يكون هدى وشفاء جاز أن يكون حاكما. قال تعالى: {= إِنَّ هََذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ =} [2] . والثاني أنّه يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله [3] .
نلاحظ أنّ تعدّد الإحالة مبرّر لدى الرازي بعدّة قرائن: أولاها نحويّة وهي عود الضمير على الأقرب، والثانية بلاغية تعتمد على مسألة الحقيقة والمجاز، فإذا عاد الضمير المستتر على الله كانت الإحالة حقيقيّة لأنّ بعث النبيّين وإنزال الكتب أفعال صادرة منه، وإذا تمّت الإحالة إلى الكتاب كان الإسناد مجازيّا بحكم الاستعمال المتعارف عليه. والقرينة الثالثة مقاميّة مأخوذة من حقيقة الواقع (أن الله هو الحاكم في الحقيقة) ، والعرف اللغوي
(1) سورة البقرة، الآية (213) .
(2) سورة الإسراء، الآية (9) .
(3) تفسير الرازي، 6/ 15.