فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 509

والمفسّر يسمح لنفسه في سبيل الحرص على التواؤم بين السياقين اللّغوي والمقامي أن يؤوّل العلاقات التي تحكم الضمائر فالضمير في = تطمعون = دالّ على الجمع فحين يوجّه ليعود على النّبي تكون هناك مشكلة فيفترض أنّه عموم يراد به الخصوص من أجل أن يبقى النصّ متّسقا.

ويعالج الرازي مسألة الإضمار معالجة ذكيّة في آية تحويل القبلة = ولله المشرق والمغرب فحيثما تولّوا = فيذهب إلى أنّ قوله تعالى {= فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا =} ينصرف إلى الجهات المأمور بها، { (فَثَمَّ وَجْهُ اللََّهِ) } ويعقّب على ذلك قائلا: = إلّا أنّ هذا الإضمار لا بدّ منه على كلّ حال لأنّه من المحال أن يقول تعالى: {= فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا =} بحسب ميل أنفسكم { (فَثَمَّ وَجْهُ اللََّهِ) }

بل لا بدّ من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره، إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له: كيف تصرّفت فقد اتبعت رضائي، فإنّه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا هاهنا = [1] . ففي هذا النصّ تضييق لإمكانيّة إحالة الضمير إلى أكثر من جهة لعدم سماح السياق بذلك بنوعيه: السياق اللّغوي والمقامي. ونلاحظ أيضا استشهاد الرازي بالوقائع والسياقات المشابهة في تعليل مجيء النصّ على هذه الصيغة دون سواها.

وهو ملحظ يتكرّر عند المفسّرين من حيث استنطاق خطابات البشر في مواقفهم اليوميّة من أجل تقريب فهم الخطاب القرآني باعتباره يخاطب البشر فيما هو مألوف لديهم من أساليب الخطاب.

وفيما لحظنا تضييقا في احتمالات الإحالة في المثال السابق فإنّ الرازي يوسّع هذه الاحتمالات في إحالة الضمير في قوله تعالى: {= فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ =} [2] . فيرى أنّ قوله = أنه الحق = يعود إلى مذكور سابق، وقد تقدّم ذكر

(1) تفسير الرازي، 4/ 20.

(2) سورة البقرة، الآية (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت