فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 509

وعند الرازي توضيح لمسألة الإشارة ودورها في اتّساق الخطاب، ففي تفسيره للآية (176) من سورة البقرة {= ذََلِكَ بِأَنَّ اللََّهَ نَزَّلَ الْكِتََابَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتََابِ لَفِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ =} . قال: = اختلفوا في أنّ قوله (ذلك) إشارة إلى ماذا؟ فذكروا وجهين (الأوّل) أنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم من الوعيد، لأنّه تعالى لمّا حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد، بيّن أنّ ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنّما كان لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ في صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم و (الثاني) أنّ (ذلك) إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله وكتمانهم ما أنزل الله، فبيّن تعالى أنّ ذلك إنما هو من أجل أنّ الله نزّل الكتاب بالحق = [1] . إنّ في الآيتين المتقدّمتين على هذه الآيات (175174) ما يعزّز هذين الاحتمالين لذا نلاحظ أنّ الرازي لا يرجّح احتمالا على آخر مكتفيا بإيرادهما منسوبين إلى الغائب (اختلفوا، ذكروا) وربّما كان ما صنعه من ترجيح أحدهما هو ورودهما معا. ولقد تمّت الإحالة فيهما معا إلى خطابين، وليس إلى عنصر وخطاب.

على أنّنا نجد رأيا آخر في الإشارة الواردة في هذه الآية فصاحب (التحرير والتنوير) يقول: = جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله، إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علّة، أو نحوهما،

والكلام السابق الأظهر أنّه قوله {= فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النََّارِ =} . والمعنى أنّهم استحقّوا العذاب على كتمانهم، بسبب أنّ الله أنزل الكتاب بالحقّ فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق، وذلك فساد، وتغيير لمراد الله = [2] . ويفهم من كلامه أنّ الإشارة تمت إلى أقرب شيء إليها وهو التعجّب الذي ختمت به الآية (175) ، لكنّ الأهمّ في اعتقادنا هو إشارته الصريحة إلى وظيفة الإشارة من حيث تماسك الخطاب، حتّى إنّ القارئ يفهم من ملاحظته هذه أنّ

(1) تفسير الرازي، 5/ 25.

(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 2/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت