ويتداخل مفهوما النصّ والخطاب تداخلا كيرا في الدرس النقدي الحديث لدرجة يصعب معها أحيانا التمييز بينهما، ممّا دفع بمحرّري المعجم الموسوعي للسيميائيّة إلى معالجة المفهومين في فقرة مشتركة [1] . وفي مجال السرديّات يستخدم مصطلح (النصّ) غالبا مقابلا لمصطلح (الخطاب) ، كما هو الحال في دراسات جنيت وتودوروف وفاينريش [2] (.) .
ونتّفق مع (فان ديك) الذي يقدّم تمييزا أكثر تحديدا فهو ينظر إلى النصّ بوصفه بنية عميقة بينما يمثّل الخطاب بنية سطحيّة، أو ينظر إليهما بوصفهما مظهرين: المظهر التجريدي والمظهر الحسّي، والنصّ مظهر تجريدي بينما الخطاب يجسّد وحدة لسانيّة تتجلّى في ملفوظ لغوي [3] . فالنص وحدة مجرّدة لا تتجسّد إلا من خلال الخطاب كفعل تواصلي، وفي إطار هذه العلاقة يتمّ الربط بين النص وسياقه التداولي. وأمّا هاليداي ورقيّه حسن فإنّهما يبرزان الوحدة والانسجام وعلاقة النصّ بالسياق فروقا جوهريّة بين النصّ والخطاب فالنصّ يأخذ بعدا مختلفا عن الخطاب من خلال صلته بالقارئ والمقام الاجتماعي للتواصل، وبأبعاده غير اللسانيّة [4] .
ومن خلال التطواف في البحوث المتّصلة بمصطلحي (الخطاب) و (تحليل الخطاب) نجد أنّ الخطاب كلمة تستخدم للدلالة على كلّ كلام متّصل اتّصالا يمكّنه من أن ينقل رسالة كلاميّة من المتكلّم أو الكاتب، وليس كلّ خطاب نصّا وإن كان كلّ نصّ بالضرورة خطابا فالكلام المتّصل خطاب، ولكنّه لا يكون نصّا إلّا إذا اكتمل ببداية ونهاية وعبّر عن موضوعه ببناء متماسك منسجم، وأمّا تحليل الخطاب فيعني تكوين الفروض التي تتعلّق بالمخاطب، والمخاطب، وروابط الخطاب، ودرجة اتّصاله، وتماسك الأبنية المكوّنة له، كما يتطلّب تجريدا للمعلومات المتّصلة باختيار الألفاظ والتراكيب والمعلومات المكوّنة للخطاب، وتحوّلات الزمن والدلالات فيه.
(2) تودوروف وآخرون، في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة أحمد المدني، 1997، ص 105.