فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 509

والطبري في تفسيره للآية (93) من سورة البقرة {= وَإِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَرَفَعْنََا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاسْمَعُوا. قََالُوا سَمِعْنََا وَعَصَيْنََا =} . يشير إلى مصطلح = اتّصال الخطاب = يقول: = وأمّا قوله = قالوا سمعنا = فإنّ الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب، بعد أن كان الابتداء بالخطاب، فإنّ ذلك كما وصفنا من أنّ ابتداء الكلام إذا كان حكاية فالعرب تخاطب فيه، ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب، فكذلك ذلك في هذه الآية = [1] . وهو ما أشار إليه (جون لاينز) في كتابه (اللّغة والمعنى والسياق) حين تحدّث عن اتصال الخطاب وانقطاعه، وأنّه يمكن أن يكون متّصلا حتى لو دخلته جمل قد تبدو خارجة عن النصّ، وأن أمر التئام هذا النسق من الجمل في الخطاب إنّما يكمن في السياق [2] .

ويجمع بين المفسّرين جميعا استحضار المخاطب دائما في شرح هذا الخطاب بكل أبعاده، واختلاف دلالة النصّ باختلاف المخاطب، ولعلّ الطبري قد بيّن هذا تماما وبشكل واضح، حين وضّح طبيعة القرآن وكونه رسالة لغوية من الخالق عز وجل إلى المخاطبين، وتناسب الخطاب مع أولئك المخاطبين على اختلاف أنواعهم، يقول في مقدمة تفسيره:

= كان معلوما أنّ أبين البيان بيانه، وأفضل الكلام كلامه وفإن كان كذلك وكان غير مبين منّا عن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب، كان معلوما أنّه غير جائز أن يخاطب جلّ ذكره أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة إلّا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه = [3] . إنّ قوله = بما يفهمه المخاطب = تلخّص كلّ المعادلة، ففهم المخاطب مبنيّ على ثقافته وثقافة عصره، وهذا يبرز سياق الثقافة الذي نزل فيه النصّ، كما أنّ فهم المخاطب يستلزم استخدام المخاطب لأدوات توصيل مناسبة عبر قناة اللّغة، وهنا تبرز مشروعيّة النظر في لغة النصّ لتبيّن حال المخاطبين أو العكس، أي النظر في أحوال المخاطبين للحصول على صورة أوضح للنصّ. وينتقل الطبري بعد

(1) تفسير الطبري، 1/ 299.

(2) انظر، جون لاينز، اللغة والمعنى والسياق، ص 91.

(3) تفسير الطبري، 1/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت