وفي هذا الإطار كذلك نلحظ اهتمام المفسّرين بتغيّر موضوع الخطاب مشيرين كلّما كان ذلك واردا إلى التغير أو الانتقال دون انفصال المنتقل إليه انفصالا نهائيا عن الموضوع العام، ومن أمثلة ذلك عند الرازي تفسيره للآية (66) من سورة البقرة، قال:
= اعلم أنّه تعالى لمّا عدّد وجوه إنعامه عليهم أوّلا، ختم ذلك بشرح بعض ما وجّه إليهم من التشديدات، وهذا النوع الأوّل [1] (الوارد في الآية 66) . فإذا نظرنا إلى الآيات التي تقدّمت الآية (66) وجدنا انها تتمحور حول إنعاماته تعالى على بني إسرائيل، بينما الآية (66) والتي تليها مرتكزة على تشديدات منه تعالى عليهم أوجبها عصيانهم. وقبل هذا الموضع نجده يذكر تحت عنوان: = سرّ ترتيب الآيات الأربع الأولى يقول: = بيانه أنّه نبّه أوّلا على أنّه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنّه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدّي، ثم نفى عنه أن يتشبّث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله، ثم أخبر عنه بأنّه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، ثم لم يخل كلّ واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه. وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد، وإيراده منكّرا = [2] . إن هذا النص يكشف عن عناية المفسّرين بترابط الخطاب موضوعيّا، والنظر في آلية هذا الترابط، ومنها الترتيب، وانظر إلى عبارة الرازي = الترتيب الأنيق = وتنظيم الخطاب تنظيما منطقيا مقبولا مستحبا = بألطف وجه =.
ونجد هذه العناية كذلك في تقسيم الرازي لموضوعات سورة البقرة حين يقول:
= اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا أقام دلائل التوحيد وثم عقّبها بذكر الإنعامات العامّة لكلّ البشر، ثم عقّبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسرا لعنادهم، ولجاجهم بتذكير النعم السالفة، واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيها على ما يدلّ وذكّرهم تلك النعم أولا على سبيل الإجمال وفرّع على تذكيرها الأمر بالإيمان، ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به. ثم ذكّرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانيا، تنبيها على شدّة غفلتهم، ثمّ أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله: {= وَاتَّقُوا يَوْمًا لََا تَجْزِي}
(1) تفسير الرازي، 3/ 30.
(2) نفسه، 3/ 22.