{نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا =} ثمّ شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل، ومن تأمّل وأنصف علم أنّ هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع = [1] . وحين يفسر الآية {= وَاتَّقُوا يَوْمًا لََا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا =}
يقول: = بقي على هذا الترتيب سؤالان = [2] . وحين يصل إلى قوله تعالى: {= وَإِذْ قََالَ مُوسى ََ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخََاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذََلِكُمْ خَيْرٌ =} [3] . قال: = اعلم أنّ هذا الإنعام الخامس = [4] . وكان بذلك يردّ على قول بعض المفسّرين إنّ هذه الآية وما بعدها منقطعة عمّا تقدّم من التذكير بالنعم، وذلك لأنها أمر بالقتل، والقتل لا يكون نعمة وأوّل ذلك بقوله: = وهذا ضعيف من وجوه أحدها أنّ الله نبّههم على عظم ذنبهم، ثم ينبّههم على ما به يتخلّصون من ذلك الذنب العظيم، وذلك من أعظم النعم في الدين = [5] .
إنّ الخطاب القرآني لدى الرازي منسجم مترابط، مترتّب ترتيبا منطقيّا وموضوعيّا، وحين يبدو الأمر كأنّ فيه انقطاعا يسارع إلى توضيحه وتفسيره متكئا على البنى الدلالية المكوّنة للموضوع الكليّ. ويتعلّق بهذا ترتيب مفردات الجملة الواحدة أيضا، ومنه قول الرازي في تفسيره للآية (82) قال: = إنّما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه: أحدهما أنّ نعمة الله تعالى على العبد أعظم النعم، فلا بدّ من تقديم شكره على شكر غيره، ثمّ بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعمّ النعم، وذلك لأنّ الوالدين هما
(1) تفسير الرازي، 3/ 29.
(2) نفسه، 3/ 54.
(3) سورة البقرة، الآية (54)
(4) تفسير الرازي، 3/ 76.
(5) نفسه، 3/ 79.