فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 509

موسى مثل يوشع وإلياس = [1] . فالخطاب عند ابن عاشور يدور حول موضوع الإنحاء باللائمة على بني اسرائيل إلّا أنّه يميّز في ذلك بين مرحلتين، والطريقة الثانية التي يشير ابن عاشور بها إلى تغيير موضوع الخطاب تبرز في قوله: = قطعت هاته الجملة (6) عن التي قبلها لأنّ بينهما كمال الانقطاع إذ الجمل السالفة لذكر الهدى والمهتدين، وهذه لذكر الضالين = [2] . وربّما كان المثال الأخير أبلغ في التعبير عن تغيّر موضوع الخطاب من الأوّل، لأنّ في الأوّل استمرارا لعنصر وارد في الخطاب السابق، بينما الصلة منقطعة في الثاني بين محتوى الخطابين (الهدى / الضلال) .

على أنّ تفسير الزمخشري لم يخل من الإشارة إلى هذا المظهر الذي يمكن رصده في المستوى السطحي للخطاب (تغيّر المحتوى يخلّف أثرا شكليّا) = فإن قلت: لم قطعت قصّة الكفار عن قصّة المؤمنين، ولم تعطف كنحو قوله (إنّ الأبرار لفي نعيم، وإنّ الفجّار لفي جحيم = وغيره من الآي الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب، وأنّه هدى للمتّقين، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعطف = [3] . إنّ السياق اللّغوي للنصّ يسير وفق منهجيّة معيّنة يراعى فيها تسلسل الموضوعات وفقا لغرض الخطاب، وإنّ تباين الأسلوب والغرض في اي مرحلة من مراحل سيرورة الخطاب يفرض تغيير خطّ سير الخطاب إن جاز التعبير وفقا لما يراه الزمخشري. وتتبدّى نظرة الزمخشري العميقة إلى مسألة ترتيب الخطاب في شرحه لسرّ ترتيب الآيات الأولى من سورة البقرة، فهو يرى أن {(الم) } جملة برأسها، و { (ذََلِكَ الْكِتََابُ) } جملة ثانية و { (لََا رَيْبَ فِيهِ) } ثالثة، و { (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) } رابعة، ثم يقول: = وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم = [4] .

(1) التحرير والتنوير 1/ 592.

(2) نفسه، 1/ 247.

(3) الكشاف، 1/ 149.

(4) الكشاف، 1/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت