والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى عنهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، والخامسة لسعة علمه وتعلّقه بالمعلومات كلّها أو لجلاله وعظم قدره = [1] . ورغم أنّ العلاقة في الحالتين معا هي البيان، فإنّ الحالة الأولى والثانية شرح وتفسير للمراد، فالحاجة إلى التبيين معنويّة. بينما الحالة الثانية توظّف فيها علاقة البيان للإشارة إلى الارتباط الوثيق بين الجمل بدون رابط شكلي أو على الأقل حرف عاطف.
وفي النقطة نفسها ندرج تفسير ابن عاشور للآية (173) معتبرا هذه الآية بيانا للآية السابقة (172) يقول: = هي استئناف بياني، ذلك أنّ الإذن بأكل الطيّبات يثير سؤال من يسأل ما هي الطيّبات فجاء هذا الاستئناف مبينا للمحرّمات، وهي أضداد الطيّبات، لتعرف الطيّبات بطريقة المضادّة المستفادة من صيغة الحصر = [2] . وإذا كان الزمخشري مهتمّا في الأمثلة السابقة بعلاقة البيان داخل الآية نفسها، فابن عاشور (في هذا المثال) يهتمّ بالعلاقة نفسها لكن بين آيتين (173172) وقد جاء هذا البيان بيان الطيّبات على عكس ما هو منتظر، إذ اكتفى تعالى بحصر المحرّمات (الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله) بناء على أنّ المحرّم محدود، بينما الطيّبات غير محدودة.
ونلاحظ أنّ علاقة البيان سواء بين عنصرين داخل الآية نفسها أم بين آيتين غالبا ما تكون استجابة لاستفهام مقدّر، ممّا يعني أنّ العلاقة بين المبيّن والمبيّن وطيدة، في غير حاجة إلى رابط. وحين يفسّر الزمخشري = هدى للمتّقين = يفترض وجود سؤال: ما بال المتّقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله = الذين يؤمنون بالغيب = إلى ساقته كأنّه جواب لهذا السؤال المقدّر) [3] . ويجعل ذلك استئنافا، ومثله قوله تعالى: {= يَكََادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ =}
جاءت من غير عاطف على ما قبلها، اعتبره الزمخشري استئناف ثالث كأنّه = جواب لمن يقول: كيف تصنعون في تارتي خفوت البرق وخفيته؟. وهذا تمثيل لشدّة الأمر على
(1) الكشّاف، 1/ 355.
(2) التحرير والتنوير، 2/ 115.
(3) الكشاف، 1/ 44.