فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 509

إنّ السياق الخارجي هو الذي يسعف القارئ غالبا في تبيّن انسجام النّص وتماسكه، ويؤدّي إلى تبيّن الدلالات، وإذا حصل تناقص بين (العالم) أو الواقع وبين النصّ الداخلي، سارع القارئ إلى إحداث عمليّة تجسير عبر مستوى الدلالة أو المنطق.

فحين يفسّر الطبري الآية (25) {= هََذَا الَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ =} يقف أمام التناقض الحاصل من قول أهل الجنّة = من قبل = فمعلوم أنّه محال أن يكون من قيلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الجنّة = [1] . ويختار أنّ هذا القول لبعض ما رزقوا في الجنّة، وليس في أوّل عهد دخولهم الجنّة.

ومثله معالجته للآية (49) قال: وإنّما جاز أن يقال: = وإذ نجّيناكم من آل فرعون = والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجين منه، لأنّ المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجّاهم من فرعون وقومه فأضاف ما كان من نعمة على آبائهم إليهم = [2] .

إنّ المفسّر يفترض حالة من الانسجام والتوافق بين النصّ والسياق (الخارجي) ولكنّه لا يفترض حالة اتّفاق تام، فالنصّ له آليّاته الخاصّة التي تسمح بها اللغة للتعبير عن العالم، ولذلك فهو حين يقف على حدوث ما يشبه الاختلاف يسارع إلى العالم الخارجي أو إلى اللّغة ليشرح هذا الاختلاف. ومنه في تفسير الطبري للآية (143) = فإن قال قائل:

وكيف قال الله عزّ وجل: = ما كان الله ليضيع إيمانكم = فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون بذلك إنّما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلّون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية قيل = إنّ القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك فإنّهم أيضا كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلّوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة فمن شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلّبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب = [3] . ويبقى الواقع مثل النافذة التي يطلّ منها المفسّر ليحكم على الخطاب بالانسجام أو عدمه، وانظر مثلا تغليب

(1) تفسير الطبري، 1/ 144.

(2) نفسه، 1/ 202.

(3) نفسه، 1/ 418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت