{تُنْذِرْهُمْ لََا يُؤْمِنُونَ} = [1] . يرجّح أنّها نزلت في اليهود الذين جحدوا نبوّة محمّد وكذّبوا به مع علمهم بأنّه رسول الله إلى الناس كافّة، ويستند في هذا الاختيار على السياق السابق لهذه الآية يقول: = وأمّا علّتنا في اختيار ما اخترنا من التأويل، فهو أنّ قوله تعال: ى = إنّ الذين كفروا لا يؤمنون = جاء عقيب خبر الله جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به، وبكتبه ورسله، فأولى الأمور بحكمة الله أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم، وذمّ أسبابهم وأحوالهم ولأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت فإنّه يجمعهم جميعا أنّهم بنو اسرائيل = [2] . ثم يجتهد في إثبات ذلك من خارج النصّ من خلال المقام، يقول: = وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا اقتصاص الله تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من أمر المنافقين، واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} = (الآية 40 وما بعدها) ويقول: = فإذا كان الخبر أوّلا عن مؤمني أهل الكتاب وآخرا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع، إلّا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عمّا ابتدأ به من معانيه فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه = [3] .
ومنه توجيه القراءة = وما يخدعون = على القراءة الأخرى = وما يخادعون = ويعزّز ذلك أنّ الله قد أخبر عنهم أنّهم = يخادعون الله والمؤمنين في أوّل الآية، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنّهم قد فعلوه، لأنّ ذلك تضادّ في المعنى وذلك غير جائز = [4] . فالطبري إذن يصرّ على البحث عن أدوات الاتّساق في ثنايا النصّ نفسه، وهذا هو معنى قولهم في لسانيّات الخطاب أنّ النصّ لا يكون نصّا حتى يكون منسجما متماسكا، وكذلك معنى قولهم أنّ القارئ هو الذي يكمل انسجام النّص بقراءته، فالانسجام ليس عنصرا قبليّا وإنّما هو عنصر يتأتّى من خلال القراءة التواصليّة.
(1) سورة البقرة، الآية (6) .
(2) تفسير الطبري، 1/ 97.
(3) نفسه، 1/ 98.
(4) نفسه، 1/ 107.