تسبقها. والملاحظة الثالثة هي اتّصال تركيب الآية وفاصلتها بغرض الخطاب، فغرض المدح هو الذي يوضح الفاصلة = هدى للمتقين =، وغرض التعريض والتخصيص في الآية التالية التعريض بأهل الكتاب والتخصيص هو للمتّقين.
ونجد الرازي من جهة أخرى يوازن بين الفواصل القرآنية، وكيف وظّفت كلّ في سياقها. يقول: = إنّما قال في آخر هذه الآية = لا يعلمون = وفيما قبلها = لا يشعرون = لوجهين =: الأول: أنّ الوقوف على أنّ المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما أنّ النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد، وفي الأرض فضروري جار مجرى المحسوس، والثاني أنّه ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم أحسن طباقا والله أعلم = [1] .
ونلاحظ أنّه اعتمد في هذه الموازنة على الاتّساق المنطقي، والاتّساق الدلالي والاتساق الموضوعي، وموافقة النصّ للحقيقة الخارجيّة. ومن أمثلته كذلك الفاصلة (لآيات لقوم يعقلون) في الآية (164) قيل: = خصّ العقل بالذكر لأنّه به يتوصّل إلى معرفة الآيات، ومثله في الرعد والنحل والنور والروم = [2] . وهنا اتّصلت الفاصلة بالسياق الداخلي للآية الكريمة.
ومنه كذلك قوله { (إِنَّ اللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) } في الآية (173) وفي الأنعام {= فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ =} وذلك = لأن لفظ الربّ تكرر في الأنعام مرات، ولأنّ في الأنعام قوله = وهو الذي أنشا جنات =، وفيها ذكر الحبوب والثمار وأتبعها بذكر الحيوان من الضأن والمعز والإبل والبقر وبها تربية الأجسام (وكان) ذكر الربّ بها (أليق) = [3] . وقول الفيروزآبادي هنا (أليق) دليل على المناسبة، ولاختلاف السياق اللّغوي والمقامي اختلفت الفاصلة بما يناسب كلا منهما في النّصين.
(1) تفسير الرازي، 3/ 68.
(2) بصائر ذوي التمييز، 1/ 150.
(3) نفسه، 1/ 151.