سخف العقل، وهذا من التوبيخ = [1] . إنّ الفاصلة جزء من النّص (الآية) ويجب أن تتّسق مع محتوى الآية، ولكن ما لاحظناه في المثال السابق أنّ الزمخشري حاول أن يوضح هذا الاتّساق بعناصر من خارج النّص (عناصر غير لغويّة) أي عناصر مقامية.
وأمّا الرازي فقد شغل نفسه بتتبّع الفواصل منذ الآيات الأولى، واهتمّ كثيرا بالتناسب بين الفاصلة القرآنيّة ومضمون الآية، ومن أمثلة الآية والفاصلة = هدى للمتقين = ويوضّح ذلك بأنّه ذكر المتقين مدحا ليبيّن أنّهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به = [2] . وحين يقف عند الآية {= أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ =} قال: = في كيفيّة تعلّق هذه الآية، بما قبلها وجوه ثلاثة: أن ينوي الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب، وذلك لأنّه كما قيل (هدى للمتّقين) كان لسائل أن يسأل: ما السبب في اختصاص المتّقين بذلك؟
فوقع قوله {= الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ =} إلى قوله {= وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ =} وثانيهما أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعا للمتقين ثم يقع الابتداء من قوله = أولئك على هدى من ربّهم كأنّه قيل: أيّ سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصّين بالهدى؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا وثالثهما أن يجعل الموصول الأول صفة المتّقين. ويرفع الثاني على الابتداء، وأولئك خبر، ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وهم ظانون أنّهم على الهدى، وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى = [3] . وهنا نخرج بالملاحظات التالية: الأولى: أنّ الفاصلة تتّصل دلاليّا بمضمون الآية، وفي مثالنا العلاقة الدلالية التي تربط بين الفاصلة والآية هي علاقة التخصيص، والثانية أن الفاصلة قد تكون أداة دلاليّة رابطة بين آيتين كما في مثالنا أعلاه، وقد يكون الرابط نحويا أي أن تربط علاقة على مستوى التركيب بين الآية والفاصلة التي
(1) الكشاف، 1/ 96.
(2) تفسير الرازي، 3/ 21.
(3) نفسه، 3/ 73.